الأحد - 16 ذو الحجة 1440 - 18 أغسطس 2019
جديد الموقع

العلامة الغريفي: حديث حول الكادر و قانون التجمعات

أولا: من حديث الكادر إلى التشكيك في الإمام المنتظر:

هناك من يعمل على إنتاج”الإثارات” بما تخلقه هذه الإثارات من”استدراجات” تقود إلى خلافات وصراعات وتجاذبات دينية وثقافية واجتماعية وسياسية. فعلينا أن نحذر كل الحذر من أن نسقط في هذه الإستدراجات بما تهدف إليه من خلق التوترات والأزمات ومن تأجيج الفتن والصراعات ، وبما تهدف إليه من إبعاد الاهتمامات عن مساراتها الحقيقية ، وإيجاد انشغالات استهلاكية تصادر كل التوجهات الجادة نحو القضايا المصرية المهمة، إلا أن التحذير من هذه الإستدراجات لا يعني أن نترك لقوى الفتنة أن تعبث كما تشاء ، ولا يعني الصمت ، بل لابد من كلمة واعية، وموقف بصير حتى لا تمرر المشروعات الخطيرة، وحتى لا تدجن الأمة، وحتى لا تزيف الحقائق ، فنحن حينما نتصدى لكلمة هنا أو كلمة هناك ، وحينما نواجه هذا المشروع أو ذاك ، فانطلاقا من مسؤولية الموقف ، ومسؤولية التكليف الشرعي، وليس بدوافع ذاتية أو من أجل غايات شخصية أو أغراض سياسية، وسوف نحرص كل الحرص أن لا ننجر إلى لغة المهاترات، لأن هذا الانجرار هو سقوط في منزلق الاستدراج، و ندعوا كل المخلصين والصادقين أن لا ينجروا إلى ذلك، حتى يفشلوا كل الرهانات التي تراهن عليها قوى الفتنة في الأمة.

وفي هذا السياق، وضمن هذا المنهج تكون لنا هذه الوقفة مع مقال طالعتنا به صحيفة محلية في عددها الصادر يوم (20/5/2006) يحمل عنوان”على خلفية بيان (العلمائي) رجال الدين بين التبعية والاستقلال” في هذا المقال حاول كاتبة أن يناقش مسألة “استقلالية رجال الدين وتبعيتهم للدولة” ولا أريد هنا أن أناقش ما أثارته هذا المقال ففيه موارد كثيرة للنظر والمناقشة، ولكن ما يهمني الإشارة إليه أن كاتب المقال أقحم في موضوعه – وبشكل مقصود– قضية الإمام المنتظر، وقضية الخمس عند الشيعة، وكذب بوجود “المهدي المنتظر” وأشار وبطريقة سيئة إلى موضوع “الخمس”.

أنطلق في مقاله من التعليق على بيان المجلس العلمائي بتحريم قبض أئمة الجمعة والجماعة الشيعة للرواتب من الدولة خوفا من افتقادهم لاستقلاليتهم، واعترف صاحب المقال بأن الموقف الرافض للتبعية إلى الدولة هو الموقف التقليدي والتاريخي الذي اعتادت عليه المؤسسة الدينية الشيعية منذ قديم الزمان.

ثم أستدرك بقوله:”إلا أن المجلس العلمائي فوجئ بموقف جديد من المرجعيات الشيعية المعاصرة كالسستاني والشيرازي وفضل الله ، يبيح استلام الرواتب من الدولة” – هذا ما يدعيه هو- . هكذا وبكل بساطة ينقل لنا كاتب المقال في الجريدة المحلية [المؤتمنة على الدين> فتاوى المرجعيات الشيعية المعاصرة بإباحة استلام رواتب الدولة.

أنا – هنا – لن أدخل في جدلية النفي والإثبات فيما هي “فتاوى الفقهاء” غير أني أوجه نظر المؤمنين المتشرعين إلى أن الصحافة ، وكتابات الصحافة ، ليست هي المواقع المؤتمنة على نقل الفتاوى، إن لهذا النقل طرقه الشرعية المنصوص عليها في الكتب الفقهية، فلا تذهبن بكم المذاهب يمينا وشمالا، لنكون جريدة أو كاتب مقال مصادركم المعتمدة في أخذ الفتاوى. مسؤوليتك – أيها المؤمن – حينما تلتبس عليك الأمور، أن تكون محترزا كل الاحتراز لدينك، وأن تعتمد القنوات الأمينة الموثوقة لتكون معذورا عند الله تعالى، وإذا قدر أن جاءتك ” فتاوى متنافية ” فهنا صورتان:

• الصورة الأولى: أن تكون الطرق في نقل الفتاوى غير متكافئة في الأمانة والوثاقة والعلم والفقاهة ، فعليك أن تعتمد الأرجح والأقوى أمانة ووثاقة وعلما و فقاهة.

• الصورة الثانية: أن تكون الطرق متكافئة ومتساوية ، فعليك أن تتريث وتتثبت، وأن تحتاط لدينك حتى يتبين لك الحق، وإذا تيسر لك الاتصال مباشرة بمرجعك في التقليد فقوله حاسم لكل خلاف فيما يخص تكليفك.

ثم أن هناك جانبا مهما في هذا الموضوع، فمتى ما تبتت “التبعية للدولة” أو تبت”الاستقلال: فالمسألة محسومة حرمة أو جوازا، فلماذا لا ندرس هذا الجانب دراسة موضوعية نزيهة، بعيدا عن كل الإنفعالات والتجاذبات . إن مسألة “التبعية والاستقلال” مسألة لا تدرس من خلال ” التصورات النظرية البحتة” وإنما من خلال “الحيثيات الموضوعية المتحركة” وأهم هذه الحيثيات:
1. التعيين والفصل لأئمة الجمعة والجماعة: فإذا لم يكن للدولة أي سلطة في ذلك فهذا يعبر عن “الاستقلال” ، وأما إذا كانت الدولة هي صاحبة القرار في “التعيين والفصل” فهذا من أوضح مصاديق “التبعية”.

2. الخضوع لأنظمة الدولة: إذا لم تفرض الدولة أي نظام ملزم لأئمة الجمعة والجماعة فهذا يمثل حال”الاستقلال” وأما إذا فرضت الدولة نظاما ملزما مفروضا على أئمة الجمعة والجماعة فهذا تعبير واضح لـ”التبعية”.
3. الإشراف والمتابعة والرقابة: فإذا أعطت الدولة لنفسها حق الإشراف والمتابعة لأعمال الأئمة وأنشطتهم في داخل المساجد فالتبعية واضحة، وإذا لم يكن الأمر كذلك فهناك “الاستقلال”.

دعونا نتابع هذه الحيثيات على الأرض:

• الحيثية الأولى: التعيين والفصل:

جاء في رد وزارة الشئون الإسلامية على أحد النواب – وحسب ما نشر في جريدة أخبار الخليج الصادر يوم الثلاثاء 16/5/2006م ما يلي:
“كما تختص الإدارتان – إدارة الأوقاف السنية و إدارة الأوقاف الشيعية – بتعيين الخطباء والأئمة والمؤذنين في المساجد التابعة لهما وفصلهم وإنهاء خدماتهم”

ومن الواضح أن الإدارتين تابعتان إلى وزارة الشؤون الإسلامية ، فبناء على هذا النص يكون التعيين والفصل لهؤلاء الأئمة من صلاحيات الدولة، نستنتج من هذا أن أول الحيثيات الموضوعية الخارجية تؤكد عنوان”التبعية للدولة”.

• الحيثية الثانية: الخضوع لأنظمة الدولة:

وجاء في الرد المذكور ما يلي:

“وإن كادر الأئمة والمؤذنين الذي تم تفعيله من قبل الوزارة يخضع جميع الأئمة والمؤذنين إلى أنظمة الخدمة المدنية في المواظبة والانضباط”

ومن الواضح أيضا أن كل من ينتسب إلى الكادر يوقع على استمارة تتضمن مجموعة الالتزامات المطلوبة منه، وهكذا تتجه الحيثية الثانية إلى فرض عنوان “التبعية”.

• الحيثية الثالثة: الإشراف والمتابعة:

وجاء في الرد المنشور :

“والعمل جار على استصدار لائحة تتضمن معايير ملائمة لمتابعة الأئمة والمؤذنين والتزامهم بالعمل بما يحفظ للمساجد هيبته ويحقق رسالته”- هذا وفق منظور الدولة طبعا–

الخلاصة : إن القراءة المنصفة لكل الحيثيات الموضوعية المتحركة تضعنا أمام قناعة واضحة بخطر ارتباط الأئمة بالكادر الوظيفي، أو على الأقل التقارير تضعنا أمام مخاوف حقيقية، مما يفرض علينا الاحتياط كل الاحتياط ، والاحتراز كل الاحتراز .

ثانيا: كلمة قصيرة حول قانون التجمعات والمسيرات:

قانون التجمعات والمسيرات واحد من مجموعة قوانين أصبحت مصدر قلق لكل المواطنين، لقد قرر مجلس النواب – بسرعة – هذا القانون، من دون وقفات جادة وحقيقية مع مكوناته، وآثاره وتداعياته، ويبدو أن الحكومة حريصة كل الحرص أن تمرر حزمة قوانين في هذا الوقت الضائع خشية أن يتعقد هذا التمرير بعض الشيء في التجربة القادمة والتي ربما شهدت تكوينه مختلفة.

إن قانون التجمعات والمسيرات والذي تم تمريره إلى مجلس الشورى يحمل مجموعة مخاطر تهدد الحريات ، كونه قد أعطى صلاحيات كبيرة لوزارة الداخلية ولرئيس الأمن العام أو من ينوب عنه، هذه الصلاحيات التي تمكن الأجهزة الأمنية من إحكام القبضة والتضييق على الحريات ، وعلى حق المواطنين في التجمعات والمسيرات السلمية، ومن الواضح أن القيود المكانية والزمانية محاولة واضحة لفرض هيمنة أمنية صارمة.

ثم أن إصرار بعض النواب على إدراج “المواكب الدينية” ضمن القانون محاولة غير مسئولة تشكل استفزازا مقصودا، وتحمل نفسا طائفيا بغيضا له آثاره المدمرة وله تداعياته الخطيرة على وحدة الصف، وعلى أمن البلد وهدوئه و استقراره.

إن قانون التجماعات وقوانين أخرى في هذا السياق هي من أهم الأسباب لإنتاج الأزمات والاختناقات الأمنية والسياسية مما يعبر عن تراجع واضح في أهداف المشروع الإصلاحي ، وفي مسار التعبير السياسي ، الأمر الذي يفرض إعادة النظر في الكثير من هذه القوانين ، إذا أريد لهذا البلد أن يخطو خطواته الجادة في اتجاه الإصلاح والتغيير، وفي اتجاه الهدوء والاستقرار، إننا لا نبرر لحالات الانفلات والفوضى وإرباك الأوضاع ، وزعزعة الأمن والاستقرار، فذلك مرفوض كل الرفض ، ومدان كل الإدانة، غير أن فرض قوانين تكبح الحريات، وتصادر الحقوق هو الذي يؤسس للكثير من الانفلاتات والإرباكات والاضطرابات، فبمقدار ما تكون القوانين عادلة ومنصفة ورشيدة تكون الأوضاع أكثر ، استقرارا وهدوءا ورشدا، وبمقدار ما تكون القوانين ظالمة ومجحفة وطائشة تكون الأوضاع أكثر ارتباكا واضطرابا وطيشا.

موقع الغريفي
26/ 5/ 2006م

اضف رد

إلى الأعلى