الخميس - 04 شوال 1438 - 29 يونيو 2017
جديد الموقع

وجوب التوبة

وجوب التوبة

العلامة النراقي
من كتاب "جامع السعادات"

التوبة عن الذنوب بأسرها واجبة: بالاجماع، والنقل، والعقل:

أما الاجماع ـ فلا ريب في انعقاده. وأما النقل ـ فكقوله ـ تعالى ـ :

" وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون "[ النور، الآية: 31]. وقوله ـ تعالى ـ: " يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبةً نصوحاً عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم "[ التحريم، الآية: 8].

ومعنى النصوح: الخالص لله خالياً عن شوائب الاغراض، من مال أو جاه أو خوف من سلطان أو عدم أسباب، والأمر للوجوب، فتكون التوبة واجبة بمقتضى الآيتين.

وأما العقل ـ فهو أن من علم معنى الوجوب ومعنى التوبة فلا يشك في ثبوته لها. (بيان ذلك): أن معنى الواجب وحقيقته هو ما يتوقف عليه الوصول إلى سعادة الابد والنجاة من هلاك السرمد، ولولا تعلق السعادة والشقاوة بفعل الشيء وتركه لم يكن معنى لوجوبه، فالواجب ما هو وسيلة وذريعة إلى سعادة الأبد. ولا ريب في أنه لا سعادة في دار البقاء إلا في لقاء الله والإنس به، فكل من كان محجوبا عن اللقاء والوصال محروماً عن مشاهدة الجلال والجمال، فهو شقي لا محالة، محترق بنار الفراق ونار جهنم. ثم لا مبعد عن لقاء الله إلا اتباع الشهوات النفسية والغضب والإنس بهذا العالم الفاني، والاكباب على حب ما لا بد من مفارقته قطعاً، ويعبر عن ذلك بالذنوب. ولا مقرب من لقاء الله إلا قطع علاقة القلب من زخرف هذا العالم.والاقبال بالكلية على الله، طلباً للانس به بدوام الذكر، والمحبة له بدوام الفكر في عظمته وجلاله وجماله على قدر طاقته، ولا ريب في أن الانصراف عن طريق البعد الذي هو الشقاوة واجب للوصول إلى القرب الذي هو السعادة، ولا يتم ذلك إلا بالتوبة التي عبارة عن العلم والندم والعزم، ولا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، فالتوبة واجبة قطعاً.

تحقيق في وجوب التوبة

كيف لا تكون التوبة عن المعاصي واجبة، مع أن العلم بضرورة المعاصي وكونها مهلكة من اجزاء الإيمان ووجوب الإيمان ومما لا ريب فيه، والعالم بهذا العلم إذا لم يعمل به فكما لا يعلمه أو ينكره فلا يكون له هذا الجزء من الإيمان، لان كل علم يراد ليكون باعثاً على العمل، فلا يقع التفصي عن عهدته ما لم يصير باعثاً، فالعلم بضرر الذنوب إنما اريد ليكون باعثاً على تركها، فمن لم يتركها فهو فاقد لهذا الجزء من الإيمان، وهو المراد بقول النبي (ص): " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن "، وما اراد به نفي الإيمان بالله ووحدانيته وصفاته وكتبه ورسله، فان ذلك لا ينافي الزنا والمعاصي، وإنما أراد به نفي الإيمان بالله لكون الزنا مبعداً عن الله وموجباً لسخطه، وليس الإيمان باباً واحداً، بل هو ـ كما ورد ـ نيف وسبعون باباً، أعلاها الشهادتان وأدناها اماطة الأذى عن الطريق، ومثاله قول القائل: ليس الإنسان موجوداً واحداً، بل هو نيف وسبعون موجوداً، أعلاها الروح والقلب وادناها اماطة الأذى عن البشرة، بأن يكون مقصوص الشارب مقلوم الأظفار نقي البشرة عن الخبث، حتى يتميز عن البهائم المرسلة المتلوثة بارواثها، المستكرهة الصور بطول مخالبها واظفارها، فالايمان كالإنسان، وفقد الشهادتين كفقد الروح الذي يوجب البطلان بالكلية، والذي ليس له إلا شهادة التوحيد والرسالة ويترك سائر اجزائه من الأعمال، فهو كإنسان مقطوع الاطراف مفقوء العينين، فاقد لجميع اعضائه الظاهرة والباطنة، إلا أصل الروح. وكما أن من هذا حاله قريب من الموت ومزايلة الروح الضعيفة المنفردة التي تخلفت عنها الاعضاء التي تمدها وتقويها، فكذلك من ليس له إلا أصل الإيمان وهو مقصر في الأعمال، قريب من أن تنقلع شجرة ايمانه إذا صدمتها الرياح العاصفة المحركة للايمان في مقدمة قدوم ملك الموت ووروده، فكل إيمان لم يثبت في النفس اصله ولم تنتشر في الأعمال فروعه، لم يثبت على عواصف الاهوال عند ظهور ناصية ملك الموت وخيف عليه سوء الخاتمة، فالمحجوب عن الإيمان الذي هو شعب وفروع سيحجب في الخاتمة عن الإيمان الذي هو اصل، كما أن الشخص الفاقد لجميع الاطراف التي هي فروع ليساق إلى الموت المعدم للروح التي هي أصل، فلا بقاء للاصل دون الفرع، ولا وجود للفرع دون الاصل، ولا فرق بين الاصل والفرع إلا في شيء واحد، وهو أن وجود الفرع وبقاءه جميعاً يستدعى وجود الاصل، وأما وجود الأصل فلا يستدعي وجود الفرع، ولكن بقاءه يستدعي وجود الفرع، فبقاء الأصل بالفرع ووجود الفرع بالأصل، فمساواة العاصي والمطيع في اسم المؤمن كمساواة شجرة القرع وشجرة الصنوبر في اسم الشجرة، وإنما يظهر الفرق إذا عصفت الرياح القوية، فعند ذلك تنقطع أصول شجرة القرع وتتناثر أوراقها، وتبقى شجرة الصنوبر ثابتة على اصلها وفرعها. ومثل العاصي الذي لا يخاف الخلود في النار لأجل معصيته اتكالا على ايمانه بالتوحيد والرسالة، كمثل الصحيح الذي يأكل الأغذية المضرة والسمومات ولا يخاف الموت اتكالاً على صحته، فكما يؤدي صحة هذا الصحيح بتناوله السمومات والأغذية إلى المرض والمرض إلى الموت، فكذلك تؤدى ذنوب العاصي إلى سوء الخاتمة وسوء الخاتمة إلى الخلود في النار، فالمعاصي للايمان كالسمومات والمأكولات المضرة للابدان، فكما أن مضرة السمومات لا تزال تجتمع في الباطن حتى تغير مزاج الاخلاط وهو لا يشعر بها إلى أن يفسد المزاج فيمرض دفعة ثم يموت دفعة، فكذلك آثار المعاصي لا تزال تتراكم في النفس حتى يفسد مزاجها فيسلب عنها اصل الإيمان، فالخائف من الموت في هذه النشأة القصيرة إذا وجب عليه ترك السموم وما يضره من مأكولات، فالخائف من هلاك الابد اولى بأن يجب عليه ترك الذنوب، ومن تناول السم وندم إذا وجب عليه أن يتقيأ ويرجع عن تناوله باخراجه عن المعدة، فمتناول سموم الإيمان وهي الذنوب أولى بأن يجب عليه الرجوع عنها بالتدارك الممكن ما دام مهلة التدارك.

فالبدار البدار معاشر اخواني إلى التوبة! قبل أن تعمل سموم الذنوب بروح ايمانكم عملاً لا ينفع بعده الاحتماء، ويخرج الأمر فيه عن ايدي اطباء القلوب، فلا ينفع حينئذ وعظ الواعظين ونصح الناصحين، وتحق عليكم كلمة العذاب، وتدخلدون تحت عموم قوله ـ تعالى ـ:

"وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون" [ يس، الآية: 9]. وقوله تعالى: " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة " [ البقرة، الآية: 7]. وغير ذلك من الآيات.

ثم مقتضى الأدلة المذكورة: كون التوبة واجبة على الفور، فيجب على كل مسلم أن يتوب عن ذنوبه فوراً، ولا يجوز له التأخير. قال لقمات لابنه: " يا بني! لا تؤخر التوبة، فان الموت يأتي بغتة ". ومن ترك المبادرة إلى التوبة بالتسويف كان بين خطرين عظيمين: ـ أحدهما ـ أن تتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتى يصير ديناً وطبعاً فلا يقبل المحو ـ والثاني ـ أن يعاجله المرض أو الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو. ولذلك ورد: أن اكثر صياح أهل النار من التسويف، فما هلك من هلك إلا بالتسويف.

عموم وجوب التوبة

وجوب التوبة يعم الاشخاص والأحوال، فلا ينبغي أن ينفك عنه أحد في حالة، قال الله ـ تعالى ـ:

" وتوبوا إلى الله جميعاً" [ النور، الآية: 31].

وهو يعم الكل في الكل. ومما يدل على وجوبها على الكل: أن كل فرد من أفراد الناس إذا بلغ سن التمييز والتكليف قام القتال والنزاع في مملكة بدنه، بين الشهوات جنود الشياطين، وبين العقول احزاب الملائكة، إذ لا تكمل غريزة العقل في أحد إلا بعد كمال غريزة الشهوة والغضب وسائر الصفات المذمومة، وإذا قام القتال بينهما لا بد بحكم العقل والشرع أن يغلب جنود الله على جنود الشيطان، بقمعها بكسر الشهوات، ورد النفس على سبيل القهر والغلبة على الصفات المحمودة والعبادات، ولا معنى لوجوب التوبة إلا هذا. ومما يدل على وجوبها على الدوام وفي كل حال هو أن كل عبد لا يخلو عن معصية بجوارحه، فان خلا في بعض الأحوال عن معصية الجوارح فلا يخلوا عن رذائل النفس والهم بالذنوب بالقلب، فان خلا عن ذلك أيضاً فلا يخلو عن وسوسة الشيطان بايراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن ذكر الله، فان خلا عنه فلا يخلو عن غفلة وقصور في العلم بالله وبصفاته وآثاره، وكل ذلك نقص يجب الرجوع عنه وهو معنى التوبة.

ولعدم خلو أحد من الخلق من نوع هذا النقص وأصله في حالة، وان تفاوتوا في المقادير، يلزم وجوب التوبة على كل عبد في كل حالة، ولو خلا عن التوبة عن جميع الذنوب في لحظة واختطفه الموت، لزم خروج روحه بلا توبة، لعدم انفكاكه قبل موته ولو بلحظة عن فرد من المعاصي المذكورة، فالتوبة واجبة على كل عبد سالك في كل نفس من أنفاسه، قال بعض العرفاء[هو أبو سليمان الدراني فيما نقل عنه في أحياء العلوم: 4/10]: " لو لم يبك العاقل فيما بقى من عمره إلا على فوت ما مضى من عمره في غير طاعة الله، لكان حقيقاً أن يخزيه[في نسخ جامع السعادات (يجزيه)] ذلك إلى الممات، فكيف من يستقبل ما بقى من عمره بمثل ما مضى من جهله ". ومن عرف قدر العمر وفائدته، وما يكتسب به من سعادة الأبد، يعلم أن ما يضيع منه في المعصية وغير التوبة أي حسرة وندامة يترتب عليه، فان العاقل إذا ملك جوهرة نفيسة، فان ضاعت منه بغير فائدة بكى عليها لا محالة، وإن ضاعت منه وصار ضياعها سبب هلاكه كان بكاؤه منه أشد، وكل نفس من العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها، لايصالها العبد إلى سعادة الأبد وانقاذها اياه من شقاوة السرمد، وأي جوهر انفس من هذا، فمن ضيعها في الغفلة خسر خسراناً مبيناً، ومن صرفها في معصية فقد هلك هلاكا أبدياً. وقد قيل: إن لله ـ تعالى ـ إلى عبده سرين يسرهما إليه على سبيل الالهام. ـ أحدهما ـ إذا خرج من بطن امه يقول له: عبدي! قد اخرجتك إلى الدنيا طاهراً لطيفاً، واستودعتك عمرك وائتمنتك عليه، فانظر كيف تحفظ الأمانة، وانظر كيف تلقاني. ـ والثاني ـ عند خروج روحه يقول: عبدي! ماذا صنعت في امانتي عندك، هل حفظتها حتى تلقاني على العهد فالقاك على الوفاء؟ أو اضعتها فألقاك بالمطالبة والعقاب؟. واليه الإشارة بقوله ـ تعالى ـ:

" أوفوا بعهدي أوف بعهدكم "[ البقرة، الآية: 40]. وبقوله ـ تعالى ـ: " والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون"[ المؤمنون، الآية: 8. المعارج، الآية: 32].

وقد روى: أن ملك الموت إذا ظهر للعبد عند موته أعلمه أنه قد بقى من عمرك ساعة لا تستأخر عنها طرفة عين، فيبدو للعبد من الحزن والحسرة والأسف ما لو كانت له الدنيا بحذافيرها لاعطاها بدل أن يضم إلى تلك الساعة ساعة اخرى ليتدارك فيها تفريطه، ولا يجد إليها سبيلاً، وقد روى ـ أيضاً ـ: أنه إذا كشف الغطاء للعبد قال لملك الموت: أخرني يوماً اعتذر فيه إلى ربي واتوب، واتزود صالحاً لنفسي، فيقول: فنيت الأيام فلا يوم، فيقول: أخرني ساعة، فيقول: فنيت الساعات فلا ساعة، فيغلق عليه باب التوبة، فيغرغر بروحه، وتتردد انفاسه في شراسيفه، ويتجرع غصة اليأس عن التدارك، وحسرة الندامة على تضييع العمر، فيضطرب اصل ايمانه في صدمات تلك الأهوال، فإذا زهقت نفسه، فان سبقت له من الله الحسنى خرجت روحه على التوحيد، وذلك حسن الخاتمة، وإن سبق له القضاء بالشقوة ـ والعياذ بالله ـ خرجت روحه على الشك والاضطراب، وذلك سوء الخاتمة.

تذنيب

التوبة عن بعض المعاصي المذكورة ـ أعني المحرمات وترك الواجبات ـ واحب بفتوى الشرع، بمعنى أن التارك لهذه التوبة والمرتكب لهذه المعاصي يكون معذباً بالنار، وهذا الوجوب يشترك فيه كافة الخلق، وتكليف الجميع به لا يوجب فساداً في النظام الكلى. وأما التوبة عن بعض آخر منها، كالخواطر والهمم الطارية على القلب والقصور عن معرفة كنه جلال الله وعظمته وامثال ذلك، فليس واجباً بهذا المعنى، لمنافاته انتظام العالم. إذ لو كلف الخلق كلهم أن يتقوا الله حق تقاته، لتركوا المعائش ورفضوا الدنيا بالكلية، وذلك يؤدي إلى بطلان التقوى رأساً، لأنه إن فسدت المعايش لم يتفرغ أحد للتقوى. فالتوبة عن كل ما هو المرجوح ليست واجبة بهذا الاعتبار. بل هي واجبة بمعنى آخر، وهو ما لا بد منه للوصول به إلى غاية القرب إلى الله، وإلى المقام المحمود والدرجات العالية، فمن رضى باصل النجاة وقنع به لم تكن هذه التوبة واجبة عليه، من طلب الوصول إلى ما ذكر وجبت عليه هذا التوبة وجوباً شرطياً، بمعنى توقف مطلوبه عليه، كما جرت عليه طوائف الأنبياء والأولياء واكابر العرفاء والعلماء، ولأجله رفضوا لذات الدنيا بالكلية. وعلى هذا فما ورد من استغفار الأنبياء والأوصياء وتوبتهم إنما هو من ترك دوام الذكر وغفلتهم عن مقام الشهود والاستغراق لأجل اشتغالهم بالمباحات، لا عن ذنوب كذنوبنا، لتعاليهم وتقدسهم عن ذلك. قال الصادق (ع): " إن رسول الله (ص) كان يتوب إلى الله ويستغفره في كل يوم مائة مرة من غير ذنب، ان الله ـ تعالى ـ يخص اولياءه بالمصائب، وليأجرهم عليها من غير ذنب كذنوبنا، فان ذنب كل أحد إنما هو بحسب قدره ومنزلته عند الله ". وبمضمونه أخبار أخر.

اضف رد

إلى الأعلى