الجمعة - 16 ذو القعدة 1440 - 19 يوليو 2019
جديد الموقع
بيان | ولنا كلمة

بيان | ولنا كلمة

بيان | ولنا كلمة

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا﴾. (الأحزاب:39)

يتحرَّك العمل العلمائيُّ انطلاقًا من المسؤوليَّة الشَّرعيَّة التي فَرَضها الله سبحانه وتعالى على العُلماء بأنْ يبلِّغوا أحكام شريعته، ويبيِّنوا معالم دينه، وأنْ يأخذوا بيد أبناء المجتمع على طريق الله سبحانه وتعالى، وأنْ يقولوا كلمة الحقِّ، ويقفوا معه، وهي مسؤوليَّة لا يمكن التَّنازل عنها، ولا التَّساهل أو التَّسامح فيها، ولا التَّلاعب بها، ولا يجوز التَّقصير في أدائها.

وتاريخ البحرين – والذي يمثِّل وجهًا مشرِقًا من وجوه التَّاريخ الإسلاميِّ المجيد – قد سجَّل للعُلماء دورًا متميِّزا منذ أنْ آمنت هذه البلاد برسالة الإسلام، واعتنقت الدِّين الحنيف طَواعية بكلِّ وعي وبصيرة، فكان للبحرين تاريخُها السَّاطع في المجال العلميِّ والدِّينيِّ، حيث تأسَّست المدارس والحوزات العلميَّة التي تخرَّج منها الآلاف من العلماء والفقهاء، والذين كان لهم شأن بارز في التَّاريخ الإسلاميِّ، وقام هؤلاء العُلماء بدورهم الإسلاميِّ الأصيل، وتحمَّلوا مسؤوليَّتهم الشَّرعية باقتدار في إرشاد الأمَّة، وتوعيتها، والسُّلوك بها إلى الله سبحانه وتعالى، وصولًا إلى بناء المجتمع المسلم الملتزم بتعاليم الدِّين، والقائم على هدى الشَّريعة، كما كان لهم دورهم البارز في قول كلمة الحقِّ، والوقوف أمام مظاهر المُنكر والباطل، والعمل على صلاح المجتمع ووقايته من كلِّ ما يمثِّل فسادًا، أو انحرافًا عن رسالة السماء الخالدة، أو مصالح الأمَّة، فلم يهادنوا حاكمًا، ولم يسكتوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم، ملتزمين في كلِّ ذلك جانبَ الإصلاح، وقول كلمة الحقِّ، وتقديم النَّصيحة بالمعروف دون التَّنازل عن مبادئ الدِّين، وأُسس الشَّريعة، ومصالح المجتمع.

وجاءت انطلاقة المجلس الإسلاميُّ العلمائيُّ في البحرين في شهر رمضان 1425هـ، الموافق لـ: أكتوبر 2004م؛ لتمثلَّ امتدادًا طبيعيًّا للدَّور العُلمائيِّ في هذا البلد، وتطوُّرًا مطلوبًا في آليَّاته بما ينسجم مع متطلبات المجتمع، ويتناسب مع الواقع الجديد، وكان وراء تأسيسه شعور علمائيٌّ بضرورة مثل هذه المؤسَّسة دينيًّا واجتماعيًّا، علميًّا وعمليًّا، وكانت انطلاقة شرعيَّة واضحة متوافقة مع الأُسس الدُّستوريَّة، والأعراف القانونيَّة القائمة التي تحمي الواقع الدِّينيَّ، وتكفل الحرِّيَّات الدِّينيَّة، وتضمن ممارسة الشُّؤون الدِّينيَّة وفق الآراء والمباني المذهبيَّة المختلفة.

واعتمدت هذه الانطلاقة أهدافًا إسلاميَّة ووطنيَّة واضحة وجليَّة لم يكن فيها أيُّ لَبْس أو غموض، ولم تحمل أيَّ نوع من أنواع الانغلاق المذهبيِّ، بل جاءت منسجمة مع التَّنوُّع المذهبيِّ في هذا البلد، والتَّآلف والتَّعايش بين أبنائه، وهكذا كانت حركة المجلس الإسلاميِّ العلمائيِّ في مساحاته المختلفة تعتمد استراتيجيَّة الدَّفع باتِّجاه الانسجام الوطنيِّ والوحدة الإسلاميَّة، والوقوف بقوَّة أمام كلِّ محاولات إشعال الفتنة الطَّائفيَّة، والتَّرحيب بكلِّ الخطوات التي من شأنها خَلْق التَّقارب بين أبناء الأمَّة والوطن، والسَّعى لها عمليًّا، ومثَّلت مبادئ الإصلاح، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، والدَّعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وتبليغ الرِّسالة الإلهيَّة، والوقوف مع الحقِّ والعدل خطوطاً عريضة لحركة المجلس.

كما كان المجلس الإسلاميُّ العلمائيُّ دائمًا مايؤكِّد على الالتزام بالسِّلميَّة كإطار للمطالبات السِّياسيَّة، وأنَّه المنهج الأصلح؛ للتَّعاطي مع مختلف قضايا المجتمع، وضرورة الحِفاظ على مصالح الوطن، ورفض الممارسات المضرَّة بذلك، وأكَّد في جميع بياناته ومواقفه وخطب رموزه على هذه المبادئ الأساس، والتزم بها عمليًّا، ودعا كافَّة العاملين في الحقل السِّياسيِّ إلى الالتزام بها.

وكان المترقَّب من السُّلطة السِّياسيَّة أنْ تحترم هذا الوجود العُلمائيِّ المُخلص للبلاد والعباد الذي فتح قلبَه، ومدَّ يده للتَّعاون مع كافَّة المواقع والمؤسَّسات بما يخدم المجتمع، وأنْ تفتح السُّلطة له المجال؛ لأداء دوره الفاعل الرَّائد، وممارسة نشاطه بما ينسجم مع شعارات الانفتاح والإصلاح التي طالما رفعتها، ونادت بها، لا أنْ تضايقه، وتحاصره، وتسعى لتصفيته.

لكن – ومع الأسف – جاء الموقف الرَّسميُّ مستعجلًا متهوِّرًا، وغير مدروس؛ ليواجه هذا المشروع العُلمائيَّ المبارك منذ انطلاقته، وليفترض فيه أسوأ النِّيَّات، ولِيَصِفَه بما لا يتلاءم مع منهجيَّته إطلاقًا، ويأتي الموقف الأخير بملاحقة المجلس العلمائي قضائيًّا؛ بغرض إغلاقه، وإنهاء وجوده استمرارًا للموقف الانفعاليِّ والظَّالم تجاه هذا المشروع المبارك، ويمثِّل إجراءً عدوانيًّا وكَيْديًّا غير منسجم مع الدُّستور، والقانون، ومع الحرِّيَّات المكفولة، وغير متوافق – أبدًا – مع ما يُطرح من شعارات الحوار الجِدِّي، ومحاولات الحَلِّ الواقعيِّ للأزمة السِّياسيَّة القائمة في البلد.

وكان واضحًا – ممَّا كشف عنه تقرير البندر – وجود المخطَّطات المرسومة؛ لمواجهة الطَّائفة الشِّيعيَّة، والعمل على تكبيلها وتقييدها، وتقييد العمل العُلمائيِّ وبالخصوص دور المجلس الإسلاميِّ العُلمائيِّ، والتي بيَّنت الوقائع على الأرض صحَّة ما ورد في ذلك التقرير من معلومات، وأنَّه يتمُّ تنفيذها بمنهجيَّة ومرحليَّة مدروسة، ومن هنا نجد أنَّ الحَملة الرَّسميَّة المسعورة ضدَّ المجلس الإسلاميِّ العُلمائيِّ تأتي في سياق منهجيَّة مرسومة منذ سنوات، ويتمُّ العمل على تطبيقها عبر مراحل متدرِّجة، حتَّى جاءت ثورة 14 فبراير 2011 م المجيدة، وما كان من مواقف المجلس الإسلاميِّ العلمائيِّ المساندة لمطالب الشَّعب العادلة بضرورة الإصلاح الجادِّ، والتَّغيير السِّياسيِّ الجوهريِّ، والتي كان لها دور مؤثِّر في دعم الحَراك الشَّعبيِّ السِّلميِّ، فكان جليَّا أنَّ السُّلطة – وفي ضوء تعنُّتها برفض الاستجابة لمطالب الشَّعب – سوف تسعى لضرب جميع مواقع القوَّة الدَّاعمة للحَراك الشَّعبيِّ، ويأتي في مقدَّمتها الوجود العُلمائيُّ، فكان هذا سببًا في نظر السُّلطة؛ للانتقام من المجلس الإسلاميِّ العلمائيِّ، وملاحقته قضائيًّا، والسَّعي لإنهاء وجوده.

ولم تستطع الحكومة بكلِّ ما تملك أنْ تتوفَّر على أدلَّة يمكن أنْ تحاكم بها المجلس الإسلاميَّ العلمائيَّ إلَّا مجموعة من الأكاذيب والأضاليل والتُّرَّهات، والاتِّهامات الكيديَّة المفضوحة، وكان واضحًا لكلِّ مطَّلع على الأمور أنَّ السُّلطة قد أعدَّت هذا الحكم القضائيَّ سلفًا، وما ملَّف الدَّعوى القضائيَّة إلَّا غطاء لقرار سياسيٍّ أُعدَّ مسبقًا، ويراد تمريره قضائيًّا.

ومع صدور هذا الحكم الجائر، فإنَّنا نُعلن بكلِّ وضوح عن النّقاط التَّالية:

1- إنَّ هذا الحكم الصَّادر بحلِّ المجلس، وإغلاق مقرِّه، ومصادرة أمواله، يُمثِّل حكمًا سياسيًّا بامتياز، ومَبْنِيٌّ على تُهم كيديَّة مفضوحة، ويمثِّل محاصرة للعمل العلمائيِّ، وتدخُّلًا في الشَّأن الدِّينيِّ، واستهدافًا طائفيًّا مَقيتًا، يضاف إلى كافَّة أنواع الاستهداف الطَّائفيِّ الذي تكرَّر ويتكرَّر منذ سنوات، وهو بكلِّ المقاييس ظُلامة أخرى تضاف إلى الظُّلامات العديدة التي تعرَّض لها هذا الشَّعب الصَّابر المؤمن المُحتسِب.

2- نحن على إيمان تامٍّ، وثقة لا تغيب بأنَّه لا غبار على مشروعيَّة عمل المجلس الإسلاميِّ العلمائيِّ، وسيبقى الواقع العُلمائي غير معنيٍّ بمثل هذا القرار الجائر، والذي يمثِّل صفحة سوداء في تاريخ القضاء البحريني، والسُّلطة السِّياسيَّة في البحرين، وأنَّ العمل العُلمائيَّ والدِّينيَّ كما أنَّه لم ينطلق يومًا ما - ولن يكون ذلك أبدًا - بقرار رسميٍّ، فإنَّه لا يمكن أنْ يُوقَف في يوم من الأيَّام بقرار رسميٍّ.

3- إنَّ العمل العلمائيَّ المؤسَّسي حقٌّ ثابت تقرُّه كلُّ القوانين والمواثيق، وتفرضه المستجدَّات الحياتيَّة، ولا يمكن مساومته، أومحاصرته، أو مصادرته.

4- سيبقى العُلماء، والوجودُ العُلمائيُّ جزءًا لا يتجزَّأ من هذا الشَّعب الأَبِيِّ، يعيش همومَه وآلامَه وتطلُّعاته، ويدافع عن حقوقه، ويتحمَّل مسؤوليَّته الدِّينيَّة والوطنيَّة تجاهه بكلِّ صدق وإخلاص وأمانة.

﴿… وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾. (الطلاق:3)

المجلس الإسلامي العلمائي
27 ربيع الأوَّل 1435هـ
29 يناير 2014 م

اضف رد

إلى الأعلى