الخميس - 04 شوال 1438 - 29 يونيو 2017
جديد الموقع

الطَّريق السَّريع لهجران المعاصي والآثام

الطَّريق السَّريع لهجران المعاصي والآثام
‏ ‏

خلقنا ذو العزَّة والجلالة والكمال عبيدًا بين يديه، وخطَّ لنا طرق الكمال والاستقامة، منعِمًا علينا ‏بالحجج الظَّاهرة من الأنبياء والمعصومين(عليهم أفضل الصَّلاة والسَّلام)، والحجج الباطنة، ‏ويمثلِّها العقل.‏
فلا مناص من أنْ نكون في مسيرنا للاستقامة مشتبهين مرَّة، ومذنبين، ومتجرِّئين تارة أخرى – ‏والعياذ بالله -، ولهذا تجد أنَّه مَن يخرج عن هذا الطَّريق قد يخرج إلى جادَّة المنافقين، وقد ‏يخرج آخرون إلى جادَّة الجاحدين، و..إلخ، من الطُّرق الكثيرة التي يشتبه العبد بينها وبين ‏طريق الاستقامة، هذا إذا لم يكن على دراية ومعرفة بما يختاره.‏
وكما ورد عن سادتنا المعصومين (عليهم السلام) أنَّ المهم بعد ذلك الرُّجوع والنَّدم على ما فات ‏والإنابة للقويِّ العزيز ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ ‏رَّحِيمٌ﴾(‏ ‏)، كما ورد عن سيد الموحدين(ع) في معنى التوبة (وأن تعزم على أن لا تعود، وأن ‏تذيب نفسك في طاعة الله تعالى كما ربيتها في المعصية، وأن تذيقها مرارة الطاعة كما أذقتها ‏حلاوة المعاصي) نهج البلاغة ص549 قصار الح?م رقم 417، وفي سير العبد بمسلك التَّوبة ‏تتعدَّد أمامه كثير من الطُّرق، وربما اختار بعضها ولم يوفَّق، وترك أخرى وسقط، إلَّا أنْ يجد ‏في قرارة نفسه أنَّ هذا الطَّريق شائك وصعب المنال، ولكن وكما نعلم أنَّه – وبعون الله تعالى ‏وتوفيقاته – من أيسر الغايات إذا أراد العبد ذلك.‏
وبهذه الأسطر القليلة سوف نتعرَّف على بعض الطُّرق التي تعتبر في الحقيقة رئيسة، وذلك لما ‏لها من الأثر البالغ في ترك الذُّنوب، وهجران المعاصي حيث تتوحَّد كلُّ هذه الطُّرق في أنَّها ‏توجِّه ذات الإنسان، وعقله، وروحه، فالعبد في طريق الاستقامة يتأرجح بين طاعته لله وبين ‏معصيته – والعياذ بالله تعالى -، وقد يجد الكثير صعوبة في الثَّبات على الطَّريق السَّوي مع ‏معرفته بالواجبات، ومع وضوح المحرَّمات لديه كما جاء في دعاء أبي حمزة الثُّمالي: (وغلبني ‏هواي، وأعانتني عليها شقوتي، وغرَّني سترك المرخى عليّ).(‏ ‏) ‏
الطَّريق الأوَّل: حبُّ الله تعالى
لا شكَّ أنَّ هذا الطَّريق يعتبر من أعبد الطُّرق، وأسلكها، فلو التفتنا إلى مدى تأثير علاقة الحبِّ ‏والمودَّة على المحبِّ، ففي الكافي والعياشي عن الصَّادق (عليه السَّلام): هل الدِّين إلا الحبّ، ثمَّ ‏تلا هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ ‏غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(‏ ‏)، فقد ورد في تفسير هذه الآية، "فقال: قُلْ يا محمّد، لهؤلاء إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ ‏أي: إنْ كنتم صادقين في دعوى محبّة الله فَاتَّبِعُونِي فيما أمرتكم ونهيتكم.‏
والمحبَّة عبارة عن ميل الَّنفس إلى الشَّيئ لكمال أدركته فيه، بحيث يحملها على ما يقرِّبها إلى ‏ذلك الشَّيئ. ‏
والعبد إذا علم أنَّ الكمال الحقيقيَّ ليس إلّا لله، وأنَّ كلَّ ما يراه كمالًا من نفسه، أو غيره، فهو من ‏الله، وبالله، وإلى الله لم يكن حبُّه إلّا لله، وفي الله، وذلك يقتضي إرادة طاعته، والرَّغبة فيما يقرِّبه ‏إليه، فلذلك فسّرت المحبّة بإرادة الطَّاعة، وجعلت مستلزمة لاتِّباع الرَّسول في عبادته، والحرص ‏على مطاوعته".(‏ ‏)‏
ولهذا قال أحد الشُّعراء:‏
تعصي الإله وأنت تظهر حبَّه هذا محال في القياس بديع ‏
لو كان حبُّك صادقًا لأطعته إنَّ المحبَّ لِمَن يحبُّ مطيع(‏ ‏) ‏
وفي الواقع نرى هذا الانقياد بين الحبيب والمحبِّ بشكل واسع وجليٍّ في حياة الإنسان اليوميَّة، ‏فأكثر علاقات الأرحام قائمة على هذا المنوال، ويرتسم غالبًا في طاعة الوالدين، واجتماعيَّا ‏ينخرط الفرد في الجمعيَّات والمؤسَّسات، وكلّ ذاك الانخراط قائم على الحبِّ لتلك الشَّخصيَّة، أو ‏الميل العاطفيِّ لبعض الأفكار، أو الحبّ لنفسه كما في كثير من الأحيان.‏
والسُّؤال البديهي، والذي يطرح نفسه: مَن الأولى أنْ يحبَّه الإنسان؟ نفسه، ماله ، أمَّه، صاحبه أم ‏خالقه وموجِده؟
والجواب البديهي – أيضًا -: إنَّ الأحقَّ والأولى بالحبِّ هو الموجِد والمبدِع والمنعِم هو الله ‏القدير جلَّت عظمته، إلا أنَّ الكثير في الواقع يعملون خلاف ذلك، فالنَّفس مقدمة في ميادين ‏كثيرة، فيعمل وفق محبَّته لذاته، فتصبح حتى العبادات لديه التي نأتمر بها للباري (عزَّ وجلَّ) ‏وفق أهواء النَّفس وتبجيل شأنها – وقِس على ذلك كثير -، فعندما يتَّجه الإنسان لحبِّ نفسه يرى ‏كثيرًا من الطَّاعات والخيرات صعبه المنال، وتحبِّب إليه نفسه بعض المكروهات، بل حتَّى ‏المحرَّمات، فلا يرى استئناسًا حتَّى في صلاته، فتراه ميَّالًا لبعض الذُّنوب، وهو يعلم أثرها، ‏وشدّة حرمتها، بل ويريد في بعض المراحل أنْ يهجرها، فيبقى في صراع طويل في ظلِّ محبَّة ‏النَّفس، والنَّتيجة قلَّما تكون لصالح هذا العبد.‏
ولو أردنا تعريفًا للمحبَّة (فهي عبارةٌ عن ميل النَّفس إلى الملائم؛ لتستفيد من هذا الحبِّ؛ لنيل ‏كمال ما تستلذ به). ‏
‏* الطَّريق لحبِّ الله تعالى ‏
‏ ذِكر الحبيب: كلُّ حبيب تراه مولع بذكر حبيبه، وقلَّما تجد لسانه، أو قلبه ناسيًا لذكره، والذِّكر ‏لله في الحقيقة يحتاج نفسه إلى قلب يسعه، وتوفيق من المذكور (عزَّ شأنه، وأكبر ذِكرًا)، وأقواه ‏حينما يقف العبد قِبال عتبات المعصية، ويتراجع عنها.‏
نعم فهذا الرُّجوع يمثِّل في الحقيقة رجوعًا لله تعالى، وإنابة إليه، وذكرًا ما بعده ذِكر، ونحن ‏محتاجون للإكثار من هذا الذِّكر، ولعلَّه المراد ممَّا جاء به رسول (صلَّى الله عليه وآله): (من ‏تواضع لله رفعه، ومَن تكبَّر وضعه الله، ومَن أكثر ذِكر الله أحبَّه الله). (‏ ‏) ‏
وهذا الذِّكر الذي أوردناه ما هو إلَّا نقطه بداية في مسيرة العبد في سبيل لقاء الحبيب، حتَّى يوفق ‏للأذكار الواردة عن الأئمَّة المعصومين (عليهم السَّلام)، فهم السرج المضيئة؛ لأحبَّاء الله ‏وأودَّائه. وتتَّضح هذه النَّكتة من الحديث القدسيِّ الذي أخبرنا به رسول الله (صلَّى الله عليه وآله ‏وسلَّم) كما جاء في الكافي: (لا يزال العبد يتقرب إليَّ بالنَّوافل حتَّى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه ‏الذي يسمع به . .)(‏ ‏) بعد هذا الحبِّ وشدَّة القرب إلى المولى (عزَّ وجلَّ) من البعيد جدًّا أنْ ‏يرتكب العبد ذنبًا أو يقترف معصيةً، فهنيئًا لأحبَّاء الله سبحانه.‏
ونتائج هذا الحبِّ واضح وجليّ إذ ورد في بعض الأخبار: (إذا أحبَّ الله عبدًا جعل له واعظًا من ‏نفسه، وزاجرًا من قلبه يأمره وينهاه)(‏ ‏)، فلا يحتاج إلى مرشد خارجيٍّ ليبعده عن تلك الذُّنوب ‏التي يخشاها، أو تلك المعاصي التي اعتاد عليها، وبهذا صار بعيدًا عن شِباك الغفلة، فيرى أنَّ ‏قلبه أصبح عونًا له ينهاه حتى تراه مستوحشًا من أنْ يجلس مع الملوَّثين بالذُّنوب، ويفرُّ منهم ‏خوفًا من براثن المعاصي، فيتحوَّل هذا الحبُّ إلى وقاية تعزل الإنسان عن طريق الغيِّ والفساد، ‏وكلُّ ذلك نتيجة لذِكر الله تعالى وحبِّه.‏
وقد يُشْكِل أحدهم على أنَّ معرفة الله هي من الطُّرق الكافية لترك الذُّنوب، والعلَّة التَّامة ‏لهجرانها ويجاب عليه بأنَّه ليس كلّ مَن عَرَف الله ووحَّده، وَوَصل إلى المراتب العالية في ‏المعرفة لا يكون ذلك مانعًا له عن معصية الله، ألا ترى قول الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا ‏وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا…﴾(‏ ‏)، ولو سلَّمنا أنَّ المعرفة لها أثر كبير في طاعة المولى إلا ‏أنَّها ليست علَّه تامَّة. ‏
الطَّريق الثَّاني: إرادة الإنسان للتَّغيير
الإنسان في عبوديَّته لله (عزَّ وجلَّ) يشعر بأنَّه مقصرًا في طاعته كما يشعر برغبته في إصلاح ‏ما أفسده، وتبييض صفحته التي ازداد سوادها، فيقف الإنسان طالبًا العون الإلهيَّ بالدَّعاء ‏والرَّجاء من الله للبعد عن تلك الذُّنوب، فيمّده ربَّ العزَّة واللُّطف برحمةٍ منه، ولكن تراه سرعان ‏ما يعود لذنبه المعهود . . . لماذا؟ هل تغيَّر خط ونهج هذا العبد؟ أم ماذا؟ ‏
نعم لعلَّ الكثير منَّا فاته التَّأمُّل في الآية المباركة ﴿… إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا ‏بِأَنْفُسِهِمْ…﴾(‏ ‏)، فالآية الشَّريفة تضع لنا هذه القاعدة العريضة؛ لتوجيه بوصلة هذا العبد إلى ‏السَّعادة، أو الشَّقاوة عبر عجلة الثَّوْرَة التَّغيريَّة في نفس الإنسان وداخله. ‏
فالإنسان في الحقيقة تحرِّكه محرِّكات كثيرة لأفعاله وسلوكيَّاته، ولكن الحركات والسُّلوكيَّات ‏والطبائع النَّاتجة عن الإرادة الدَّاخليَّة في الإنسان هي المتَّصفة بالدَّوام والاستمرار، وقد أسماه ‏صاحب الأمثل بـ(القانون العام) حيث ذَكَر أنَّ الآية المزبورة قد جاءت في موردين متفاوتين ‏في القرآن (وإنَّها قانون عام وقانون حاسم ومنذر، هذا القانون الذي هو واحد من القوانين ‏الأساسيَّة لعلم الاجتماع الإسلاميِّ، يقول لنا: إنَّما يصيبكم هو من عند أنفسكم، وما أصاب القوم ‏من السَّعادة والشَّقاء هو ممَّا عملت أيديهم، وما يقال من الحظِّ والصُّدْفة، وما يحتمله المنجِّمون ‏ليس له أساس من الصِّحَّة … حتَّى اللُّطف الإلهيّ، أو العقاب لا يكون إلا بمقدمه).(‏ ‏) ‏
إذًا لا مناص أنَّ القنطرة التي لا بدَّ للمذنب والعاصي والمقصِّر الذي يريد العودة لله أنْ يبدأ ‏بنفسه ويغيِّر تفاصيل وجزئيَّات هذه النَّفس، ويبدّل رغباتها وتحرُّكاتها، وذلك في الحقيقة محتاج ‏إلى التَّخلية والتَّحلية في سبيل الوصول إلى نتيجة في الواقع. ‏
ولعلَّنا نستلهم هذا التَّغيير المطلوب من لدن أبي عبد الله الصَّادق (عليه السَّلام) حينما قال: (إنَّ ‏أبي كان يقول: إنَّ الله قضى قضاء حتمًا لا ينعم على عبد نعمةٍ فيسلبها إيَّاه قبل أنْ يحدث العبد ‏ذنبًا يستوجب بذلك الذَّنب سلب تلك النِّعمة، وذلك قول الله: ﴿… إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى ‏يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ…﴾(‏ ‏)). (‏ ‏) ‏
أمَّا صاحب الميزان في صدد بيان هذه الآية ذكر أنَّه (من الممكن أنْ يستفاد من الآية العموم ‏وهو أنَّ بين حالات الإنسان النَّفسيَّة، وبين الأوضاع الخارجيَّة نوع تلازم سواء كان ذلك في ‏جانب الخير أو الشَّر، فلو كان القوم على الإيمان والطَّاعة وشكر النِّعمة عمَّهم الله بنعمه ‏الظَّاهرة والباطنة، ودام ذلك عليهم حتَّى يغيِّروا، فيكفروا، ويفسقوا، فيغيَّر الله نعمه نقمًا، ودام ‏ذلك حتَّى يغيروا …). (‏ ‏) ‏
الطَّريق الثَّالث: استشعار مراقبه الله تعالى وحججهِ ‏
‏ * مقام استشعار المراقبة الإلهيَّة
هذا الطَّريق في الحقيقة واضح المعالم في تأثيره على سلوك الإنسان وعوده إلى طريق الهداية ‏والرَّشاد، فشعور أيِّ مسلم ولو على نحو بسيط عن البعض بأنَّ عين الله تعالى ناظرة إليه، ‏وحتَّى أولائك الملوثين بالمعاصي والذُّنوب كبيرة لديهم نصيب وحظٌّ لا بأس به، فمثلًا يمنعهم ‏استشعارهم هذا من التَّعدِّي على مقدَّسات الله، بل ويوجب هذا الاستشعار البسيط احترام لأولياء ‏الله بإحساسهم بالعلاقة التي تربطهم بالله تعالى.‏
إذًا هذا الاستشعار مفهوم مشكِّك في الواقع العملي، فالبعض يحافظ على درجة عالية من ‏الاستشعار بوجود الله ومراقبته لعمله، والبعض الآخر ملوَّث ببعض المعاصي التي جعلت من ‏غفلته طاغية على هذا الشُّعور اللَّطيف لدى العبد. ‏
ولو دقَّقنا وركَّزنا النَّظر في استشعار المراقبة الإلهية بشكل غير متقطع بلحظات الغفلة التي ‏أدخلتنا في شبهاتها لما تجرَّأنا على معصية الله ومخالفة أحكامه.‏
ويمكن القول: بأنَّ الاستشعار لدى كلِّ النَّاس بشكل عام إلا أنَّ الاختلاف يكمن في نوع المراقبة، ‏فالمتيقِّنين يستشعرون عين الله تعالى، ورضا الله بحكم إيمانهم وبالذَّات الذين وصلوا لمراتب ‏عالية حيث لا يغفلون ولو لحظات عن وجود الله ولطفه، فقلوبهم منيرة بوجود الله وعظمته، ‏عملًا بالحديث الذي ورد عن صادق الأئمَّة (عليهم السَّلام): (القلب حرم الله، فلا تسكن حرم الله ‏غير الله) (‏ ‏)، أمَّا المراءون والمنافقون يستشعرون عين الخلق، وقد ينزل أولئك العصاة أعداء ‏الله إلى استشعار شياطينهم – والعياذ بالله سبحانه -.‏
ويتمحور هذا الطَّريق بأنَّ العبد يقف قبل أنْ يغور في فعل، أو قول، أو سكون متحسِّسًا بأنَّه ‏يقف في ساحة قدس الله وجبروته وعظمته، وعين الله ناظرة إليه، وأنَّ حسناته وسيئاته متمثَّلة ‏أمام عين خالقة وبارئه تعالى، فلو كان عمله متَّصفًا بالمخالفة لله تعالى يمكن بهذا الشُّعور- ‏وبحسب قوَّته – أنْي يُردد الإنسان، فيتراجع ويختار ترك التَّجرُّؤ على أمر الله ونهيه، وهكذا لو ‏كان العمل متَّصفًا بالموافقة لأوامر الله سيقدم عليه متقرِّبًا إلى النَّاظر الحسيب جلَّت عظمته.‏
ومفهوم هذا الاستشعار ورد في القرآن المجيد، وفي أحاديث وأدبيات أهل البيت (عليهم الصَّلاة ‏والسَّلام)، فقد جاء في سورة العلق: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾(‏ ‏) بعد أنْ تقدَّمت هذه الآيات ‏‏﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ ‏إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾(‏ ‏)، فالمؤمن الحقيقيُّ يعتبر العالم كلَّه حاضرًا عند الله تعالى، وإنَّ كلَّ الأعمال ‏تتمُّ في محضره، وينبغي لهذا الحضور الإلهيِّ أنْ يكون رادعًا وكافيًا للخجل والكفِّ عن ‏المعاصي والذنوب، كما جاء عن أهل البيت (عليهم السلام): (اعبد الله كأنَّك تراه، فإنْ لم تكن ‏تراه فإنَّه يراك)(‏ ‏)، فالحديث الشَّريف يوضِّح بأنَّ العبد لا بدَّ أنْ بنظر لجهتين في عبوديَّته لله ‏تعالى: الجهة الأولى: أنَّ عبادته، ومعاملاته، وأعماله يجب أنْ تكون متَّجهة ومتقرِّب بها للنَّاظر ‏الأوَّل وهو الله (عزَّ وجلَّ) باعتباره هو القابل والمثيب لهذا العمل.‏
وتأتي الجهة الثَّانية، وهي التي تنصبُّ في أنَّه تعالى يقينًا يراك، ويسمعك.‏
‏* مقام استشعار مراقبة حجج الله سبحانه ‏
وهذا المقام لا ينفصل عن المقام الأوَّل، ويمتاز هذا المقام بأنَّ بصمته واضحة على صفحات ‏وجوه المؤمنين، كيف لا وقد تجلَّى في حجج الله عين الله، وحكمته ما ورد عن أمير المؤمنين ‏‏(عليه السلام) أنَّه قال: (أنا عين الله، وأنا يد الله، وأنا جنب الله، وأنا باب الله) (‏ ‏)، وليتَّضح هذا ‏المعنى من مراقبة أولياء الله المعصومين (عليهم السَّلام) من خلال ما ورد عن الإمام الرِّضا ‏‏(عليه السَّلام): (أما علمت أنَّا معاشر الأئمَّة تُعرض علينا أعمال شيعتنا صباحًا ومساء، فما كان ‏من التَّقصير في أعمالهم سألنا الله تعالى الصَّفح لصاحبه، وما كان من العلو سألنا الله الشُّكر ‏لصاحبه).(‏ ‏)‏
‏ وعن الإمام الحجَّة المنتظر (عج)، فهو يرى أعمالنا، وسلوكنا، وعلاقاتنا، فإنْ كانت في الجانب ‏السَّليم، فهي التي تَسْعد وتبشر الإمام، وهنا تنشأ العلاقة الوطيدة بين هذا العبد والإمام الغائب ‏الحاضر، حيث ترى العبد دائم الذِّكر له، وبالخصوص هذا الذِّكر العملي في الواقع، فالإمام "عج" ‏ينظر إلى أعمال الشِّيعة، وخواصه، ويسرّ من حسناتهم، ويغضب من سيئاتهم، ويعيِّن وكلاءه ‏العامة بالدُّعاء والإرشاد، والتَّصرُّف في قلوبهم، ويشرف على أحوال الشِّيعة، فإذا اتَّصلوا إليه ‏بالدُّعاء للفَرَج والتَّوسُّل والاستشفاع به أقبل عليهم، ويدعو لهم، ويطلب من الله أنْ يقضي ‏حوائجهم، وقد ورد في توقيعه (عليه السَّلام) إلى الشَّيخ المفيد "رض": (إنَّا غير مهملين ‏لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء(‏ ‏)، واصطلمكم(‏ ‏) الأعداء).(‏ ‏) ‏
الطَّريق الرَّابع: التَّوسُّل بالمعصومين، وأولياء الله الصَّالحين (عليهم السَّلام)‏
والتَّوسُّل ذابت فيه الفرقة النَّاجية؛ كونه الطَّريق الذي دلَّ عليه الله في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا ‏الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(‏ ‏)، فلا بدَّ أنَّ لهذا ‏الطَّريق القدرة على الهداية والاسترشاد، والنَّجاة من الذُّنوب وآثارها الوخيمة على الإنسان، ‏باعتبار أنَّ التَّوسُّل وما يعني من الاستعانة بوسيلة للتَّقرُّب إلى الله، وطلب الحوائج، أكان هذا ‏التَّوسُّل بأسماء الله وصفاته، أو التَّوسُّل بالقرآن الكريم، أو التَّوسُّل بالأعمال الصَّالحة، أو التَّوسُّل ‏بدعاء الأخ المؤمن، ولكن كيف إذا كان هذا التَّوسُّل للتَّخلُّص من الأدران القلبيَّة، والتَّوسل ‏بالرَّسول (صلَّى الله عليه وآله)، وأهل بيته (صلوات الله عليهم أجمعين)؛ ليوفِّق الإنسان من ‏هجران أسباب المعاصي ومقدماتها.‏
‏ فمن البعيد أنْ يترك الله هذا العبد الذي لجأ لوليِّه، ولجأ في الحقيقة إليه بعد هذا التَّوسُّل، فنحن ‏على علم بأنَّ دعاء الأئمَّة المعصومين (عليهم السَّلام)، بل ودعاء المتَّقين من عباد الله مستجاب ‏ولا يردُّه الله سبحانه، وهذا ما ثبت عمليًّا لدى الكثير من الصُّلحاء والمؤمنين، وهذه النَّتيجة ‏طبيعيَّة، لأنَّ المتوسِّل بهم هم الأقرباء لله تعالى، هم العالمون بالله، والعارفون به، هم الطَّاهرون ‏قلبًا وقالبًا.‏
الطَّريق الخامس: استذكار الموت ‏
‏(وكفى بالموت واعظًا…) (‏ ‏)، نعم إنَّه حديث عظيم، وكلام نستطيع أنْ نقف عليه، ويتمُّ به ‏مرادنا؛ كونه يحمل المعنى البليغ، والبيان العميق لتأثير هذا الطَّريق على صفحة العبد بشكل ‏سريع وشديد، وهذا ما نستوحيه من كلمات الرَّسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) حيث كان ‏كثيرًا ما يوصي أصحابه بذِكر الموت، فيقول: (أكثروا ذِكْر الموت، فإنَّه هادم اللَّذات، حائل ‏بينكم وبين الشَّهوات…).(‏ ‏) ‏
وطريق استذكار الموت، وأثره العمليّ الكبير يوقَّف المتأمِّل لمعرفة خبايا هذا الطَّريق في نفس ‏الإنسان، ففي الحقيقة تتفاوت نظراتنا للموت في نواحٍ شتَّى، ولكن تتَّفق تلك النَّظرات في أنَّ ‏الموت يكبح شهوات الإنسان، ويهدم لذاته، ويستوقفه في محطَّات تفكُّر وتمعُّن لعظمة هذا ‏الرَّحيل ومفصليَّته.‏
فمنا مَن ينظر إلى الموت بأنَّه نهاية له، وفناء لملذَّاته، ومحطَّة فقدان لخيرات هذه الدُّنيا ‏ولحظاتها المختلفة، فيستوقفه الموت – إنْ استوقفه -؛ ليقيس فوائده وخسائره نسبة بهذا الرَّحيل ‏المحتَّم، فهو وإنْ كان يعتقد في قرارة نفسه أنَّ موته ورحيله بعيد لطول أمله إلَّا أنَّ صورة ‏المقابر ولحظات الوداع لأقاربه تستوقفه بقوَّة؛ لتطرق أفكاره لعلَّها تكون طريق نجاة له من ‏ذنوبه التي أثقلت ظهره.‏
ومنَّا مَن ينظر للموت بأنَّه ميعاد للحساب، فيتفكَّر في سجلِّ أعماله، ويغوص في تاريخ أقواله، ‏فتارة تطمئنه نفسه بأنَّه في الخطِّ السَّليم، وتارة يتغلَّب عليها، ويحسم حسابه في صالح الأرباح، ‏وتقليل الخسائر، فتراه مائلًا عن طريق الآثام متوجِّها لسعادته ورشاده.‏
ومنَّا مَن ينظر إلى أنَّ الموت بداية له، وشروع في سعادته، ومحطَّة تغيُّر في نفسه، فهو وإنْ ‏كان في خوف الحساب، وهول المطلع عند الرَّقيب الحسيب إلَّا أنَّه دائمًا ما يفحص كتابه ‏وجهوزيَّته لهذا اليوم، فيسد ثغرات المعاصي، ويحصِّن نفسه بالأذكار، ويتقرَّب إلى الله زُلفى.‏
وكلُّ النَّظرات تلك وأصحابها يشتركون في النَّتيجة التي يصلون إليها من نظرهم للموت بأنَّ ‏ذِكر الموت يصبح طريقًا سالكًا للبعد عن المعاصي، ودافعًا وواقيًا عنها، كما يصبح سببًا ‏للمراتب العالية بين العباد المقرَّبين لعمله الصَّالحات، وبناءه قلبًا سليمًا بين جوانبه إلَّا أنَّ ‏الاختلاف في مستوى النَّتيجة طبيعيَّة بين أصحاب النَّظرات، وذلك وفق مقدار استذكارهم ‏للموت، ومانعيَّة الغفلة لديهم.‏
فإنَّ أهل الدُّنيا وبسبب اشتغالهم بنعيم الدُّنيا الزَّائلة قد غفلوا عن نعيم وجنان الآخرة الباقية، ‏فأصبح حب الدنيا ونعيمها عازل عن العمل وفق المرحلة القادمة التي يؤكِّدها الموت، لذلك فإنَّ ‏ذِكر الموت أكَّدت عليه الروايات الشريفة لأهل البيت (عليهم السَّلام) لا سيما أمير المؤمنين ‏‏(عليه السَّلام)، فقد تكرَّر في محطَّات مختلفة قوله (عليه السَّلام): (مَن أكثر من ذكر الموت…)، ‏وعقَّبه بجواب شرط مختلف اشترك في المعنى: (…، قلت في الدُّنيا رغبته)، و(…، رضا من ‏الدُّنيا بالكفاف)، و(…، يهون أسباب الدُّنيا)، والمعنى الإجمالي بأنَّ العبد من خلال استذكاره ‏للموت يستطيع أنْ يقتل الغفلة في أعماقه، ويعرف حقيقة هذه الدُّنيا الزَّائفة، فلا تصبح الدُّنيا ‏هدفًا له ومغنمًا، وإنَّما قنطرة يعبرها.(‏ ‏) ‏
سائلين المولى أنْ يتطَّلف علينا، نحن المذنبين الغارقين برحمته، ويخرج حبُّ الدُّنيا من قلوبنا، ‏ويحشرنا مع المتَّقين الأبرار بجاه النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، وآل بيته الأطَّهار (عليهم ‏السَّلام).‏

 ‏
الشيخ حسن هلال
قم المقدَّسة ‏
‏11 شعبان المعظَّم

اضف رد

إلى الأعلى