الأربعاء - 30 ذو القعدة 1438 - 23 أغسطس 2017
جديد الموقع

التوبة .. شروطها.. وآثارها

التوبة
معناها، وموضوعها، وشروطها، وثمرتها
إنَّ من المهمّ جدًّا إذا أراد أحدنا أنْ يعمل عملاً ما لا بدّ فيه من معرفة حدّ ذك العمل وموضوعه وشروطه وحدوده وغايته وثمرته.
فإنّك إذا ما أردت أنْ تقيم مع أحد صداقة لا بدّ أنْ تعرف معنى الصداقة جيّدًا، وتعرف موضوعها، وشروطها، وحدودها، وغايتها، وثمرتها؛ كي تكون الصداقة مبنيّة على أُسس محكمة ومتينة، وتجلب ثمارها صحيحة سليمة، وهكذا في كلّ أمور الحياة، ومنها ما نحن في صدد التعرض إليه، وهو التوبة، فكي تكون التوبة منّا صحيحة لا بدّ أنْ نعرف معنى التوبة أولاً، ثم نعرف موضوعها، ومن ثم شروطها، وغايتها، وثمرتها.
* أولاً: معنى التّوبة
التوبة في اللّغة: يظهر من المعاجم اللّغوية أنَّ (تاب) بمعنى رجع، والتوبة معناها الرجوع إلى الشيء، أو الطريق الصحيح بعد هجرانه، أو الانحراف عنه ولو بشيء يسير، هذا ما أفهمه أنا شخصيًّا من المعاجم اللّغوية، وكما أنّه يظهر لي أن التوبة قد استعملت في قبال المعصية، وذلك لكثر الاستعمال، فصارت من المنقولات الشرعيّة كما في الصلاة .
والتوبة بمعنى الرّجوع مطلقًا من أيّ أحد يمكن أنْ تفهم من الآيات القرآنيّة أيضًا كما في قوله تعالى: (فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). المائدة:39
(إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً). النساء:17
فهنا تشير الآيتان إلى أنّ الله سبحانه وتعالى يتوب على العاصي.
والتوبة شرعًا: هي الرجوع إلى الله تعالى بعد معصيته، وطلب رضاه وغفرانه ورحمته، وأمّا بالنسبة له تعالى، فهي إفاضة الرحمة والرضا على العبد العاصي.
هذا ما يتعلّق بتعريف التوبة.

ثانيًا: موضوع التوبة
ونعني بالموضوع هو النقطة المركزيّة التي تدور كلّ جزئيّات ومسائل ذلك الموضوع حول هذه النقطة، ولا تستقل عنها.
فموضوع التوبة بحسب ما أتوصل إليه من خلال التعريف الرّجوع إلى الله تعالى.

ثالثًا: شروط وحدود التوبة
1. الندم على ما اقترف من ذنب، والندم يعني توجّع القلب وتحسره لما اقترف من ذنوبه.
2. العزم على ترك العودة إليه أبدًا.
3. الإخلاص وصدق النيّة في التوبة.
4. الثقة بالله تعالى وإفاضة رحمته تعالى على العباد.
5. الإصرار والإلحاح في طلب المغفرة والرّحمة منه تعالى بكثرة الدّعاء، وقراءة القرآن، وعمل الصالحات.
6. إثبات التوبة بالعمل، ولا تقتصر على القول، وذلك بأنْ تؤدِّي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله تعالى وليس عليك تبعة، وأنْ تعمد إلى كلّ فريضة ضيّعتها لتؤدِّي حقَّها، وأنْ تعمد إلى اللّحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم، وينشأ بينهما لحم جديد، وأنْ تذيق الجسم ألم الطّاعة كما أذقته حلاوة المعصية.
7. أنْ تكون التوبة قبل معاينة الموت وهذا ما أشارت له الرواية عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): مَن تاب قبل موته بسنة قَبِل الله توبته، ثم قال: إنّ السنة لكثيرة مَن تاب قبل موته بشهر قَبِل الله توبته، ثم قال: إنّ الشهر لكثير، مَن تاب قبل موته بجمعة قَبِل الله توبته، ثم قال: إنّ الجمعة لكثير مَن تاب قبل موته بيوم قَبِل الله توبته، ثم قال: إنّ يومًا لكثير مَن تاب قبل أنْ يعاين قَبِل الله توبته.
هذه بعض شروط وحدود التوبة، فإنّ الإنسان التائب لا بدّ أن يراعي هذه الأمور، لأنّها بمثابة إشارات للطريق تساعده للوصول إلى الهدف المنشود، وهو رضا الله تعالى.

رابعًا: غاية وثمرة التوبة
يظهر جليًّا وواضحًا ممّا تقدّم أن غاية التوبة هو نيل رضا ربّ العالمين، ووضع التوبة في مقابل السماح لتسلّط الشيطان على غرائز وعقل الإنسان كما جاء في الرّواية عن أبي عبد الله، أو عن أبي جعفر (عليهما السلام) قال: إنّ آدم (عليه السلام) قال: يا ربّ سلّطت عليّ الشيطان، وأجريته منِّي مجرى الدّم، فاجعل لي شيئًا، فقال: يا آدم، جعلت لك أنّ مَن همّ من ذريتك بسيئة لم تكتب عليه، فإنْ عملها كتبت عليه سيئة ومَن همّ منهم بحسنة فإنّ لم يعملها كتبت له حسنة، فإنْ هو عملها كتبت له عشرًا، قال: يا ربّ زدني، قال: جعلت لك أنّ مَن عمل منهم سيئة، ثم استغفر له غفرت له، قال: يا ربّ زدني، قال: جعلت لهم التوبة – أو قال: بسطت لهم التوبة – حتى تبلغ النفس هذه، قال: يا رب حسبي.
والحصول على رضا الرّبّ تعالى هي الثمرة التي لا تقدّر بثمن، وليس للذّتها لذّة، فكلّ ما يصبوا إليه الأنبياء (عليهم السلام)، والأولياء، والصالحون هو الحصول على رضا الله تبارك وتعالى، وكم هو جميل حديث الإمام عليّ (عليه السلام) عندما خيّر نفسه بين الجلوس في الجنّة والمسجد، فاختار الجلوس في المسجد لهدف واحد وهو الحصول على رضا الله تبارك وتعالى، وهذا ليس هو بالمذنب، فكيف حاله لو كان مذنبًا – نستغفر الله سبحانه من هذا القول -.
وبقي هنا أمر واحد وهو ما هي الأمور التي تؤدِّي بالإنسان إلى الوقوع في المعصية؟
يذكر أنّ هناك ثلاث وسائل للشيطان يستعملها لإيقاع النّاس في المعاصي والذنوب:
1. النساء
2. المال
3. السلطان
وأكثر استخدامات الشيطان هو النّساء، وقيل عنهنّ: أنّهن نصف سلاح الشيطان، وهو ما يطلق عليه بالعلاقات المحرّمة، وهناك أسباب لنشوء العلاقة المحرّمة:
السبب الأول: سبب نفسيّ
1. جهل النّاس بحكمة الدّين الحنيف وبالأحكام الشرعيّة التي تمثل الدستور في الحياة، أو معرفة الأحكام الشرعيّة، ولكن التّهاون بها بتبرير أنّ الدّين يسر لا عسر، أو أنّ للضرورة أحكامًا، أو أنّ لكلّ زمان دولة ورجالاً، أو أنّنا خلقنا لزماننا وما شابهها من التبريرات وبأسماء خدّاعة كتقوية العلاقات العائليّة، فترى ابن العمّ، وابن العمّة يجلسان لوحدهما، أو مع آخرين ليس بالحجاب الشرعيّ، أو باسم أحكام العمل وطبيعته تتطلّب الجلوس مع الأجنبيّة على طاولة واحدة، أو في غرفة مغلقة، فهذه كلّها تبريرات تبيّن الجهل بالأحكام الشرعيّة، فإنَّ حلال محمّد (صلّى الله عليه وآله) حلال إلى يوم القيامة، وحرام محمّد (صلّى الله عليه وآله) حرام إلى يوم القيامة لا يخصّ جيلاً دون آخر، ولا يخص دولة دون أخرى.
2. عدم إعطاء أهمية كبرى للأمور العباديّة ممّا يؤدِّي إلى التّهاون بها والانجرار إلى الوقوع في المحرّم.

السبب الثاني: سبب اجتماعيّ
وأرى من المهم الالتفات إليه، وهو لا ينفصل عن الجانب الشرعيّ، وأحكامه وذلك بـ:
1. عدم إعطاء أهمية كبرى للأمور العباديّة ممّا يؤدِّي إلى التّهاون بها، والانجرار إلى الوقوع في المحرّم.
2. عدم إنكار المجتمع بعض الظواهر المخلّة بالأدب كمسألة الاختلاط في الدّراسة والعمل غير المنضبطين، والدخول في الأماكن العامّة مع تلاصق الأجساد، وإلى غيرها من المظاهر.
3. التركيز على الجانب العاطفيّ في داخل العائلة، أو المجتمع بشكل متزايد ممّا يعني إعطاء الفسحة للبنت، أو الابن؛ كي يعمل كلّ ما يحلو له أو لها بدون شرط ولا قيد شرعيّ .
4. عدم إشباع الجانب العاطفيّ خصوصًا عند الفتاة ممّا يجعلها تبحث عن القناة التي تشبع فيها هذا الجانب، فتقع فريسة وهي لا تعلم.
5. عدم التسلّح بالثّقافة القرآنيّة والإسلاميّة الصحيّة، والتأثّر بالثقافة الغربيّة من خلال المسلسلات والموضات في الملبس، والمركب، والمسكن، وفي إحياء الأفراح والاجتماعات العائليّة وغيرها.
وأخيرًا أختم كلامي بالآية المباركة من سورة (يس) والتي من الحري بنا أن نتمعّن فيها جيّدًا إذ أنّها أوجزت لنا الطريق واختصرته إذ تقول : (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ). يس: 60 – 62

اضف رد

إلى الأعلى