السبت - 30 محرم 1439 - 21 أكتوبر 2017
جديد الموقع
أنصار الحجة المنتظر (عج)

أنصار الحجة المنتظر (عج)

الشيخ عزيز حسن الخضران

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على محمد وآل محمد

كثيراً ما يدعو المؤمنُ بأن يوفق لأن يكون من أنصار إمام العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، وقد ورد في ضمن كثير من الأدعية الدعاء بذلك، منه ما جاء في دعاء ليلة النصف من شعبان: “اللهم فصل على خاتمهم وقائمهم المستور عن عوالمهم، وأدرك بنا أيامه وظهوره وقيامه واجعلنا من أنصاره، واقرن ثارنا بثاره، واكتبنا في أعوانه وخلصائه وأحينا في دولته ناعمين وبصحبته غانمين وبحقه قائمين ومن السوء سالمين”(1). وفي المزار لابن المشهدي: “اللهم عجل فرجه، وسهل مخرجه، وأوسع منهجه، واجعلنا من أنصاره وأعوانه، الذابين عنه، والمجاهدين في سبيله، والمستشهدين بين يديه”(2). وأيضا ورد في الدعاء المروي عن الشيخ العمري (رضوان الله عليه) الذي يبدأ بقوله: “اللهم عرفني نفسك…. واجعلنا ممن تقر عينه برؤيته وأقمنا بخدمته، وتوفنا على ملته واحشرنا في زمرته…”(3).

والسؤال الجدير بالاهتمام، والواجب على من يدعي الصدق والإيمان، هو: هل أننا مؤهلون فعلا أن نكون من أنصار المعصوم الذي يتحقق على يديه الوعد الإلهي، والذي يحتاج إلى أنصارٍ أصحابِ مميزات إلهية لا توجد في غيرهم من جميع الأنام؟ وهل سعينا بشكل جدي إلى ذلك، أو على الأقل هل فكرنا بذلك مع أنفسنا، وفي خلواتنا؟

كثيرا ما نتمنى أن نكون في زمن المعصومين (ع)، ومن أصحابهم المقربين، والفرصة لم تفت بعدُ، إذ أننا نعيش في زمن المعصوم الغائب عن الأنظار (ع)، الذي قد يوفقنا الله (عزّ وجلّ) للفوز بلقائه، فهل أعددنا العدة للقائه؟!

أنصار الإمام (عج)

وهذه قراءة سريعة في بعض صفات أنصار المهدي (عج)، مما ورد في الروايات الشريفة، لعلَّ نفوسَنا تتحرك نحو الاتصاف بها، فنفوزَ بذلك الفوز العظيم، سواء رَزَقَنا الله صحبته، أم توفانا قبل ظهوره، فالصفات مطلوبة في حد ذاتها، حتى لو جزمنا بأننا لن ندرك زمان الظهور المبارك، فقد ورد عن أبي بصير عن الصادق (ع) أنه قال: “ألا أخبركم بما لا يقبل الله (عزّ وجلّ) من العباد عملا إلا به؟ فقلت: بلى. فقال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده (ورسوله)، والإقرار بما أمر الله، والولاية لنا، والبراءة من أعدائنا – يعني الأئمة خاصة -، والتسليم لهم، والورع والاجتهاد والطمأنينة، والانتظار للقائم (ع)، ثم قال: إن لنا دولة يجئ الله بها إذا شاء، ثم قال: من سره أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه، فجدوا وانتظروا، هنيئا لكم أيتها العصابة المرحومة”(4).

الأنصار درجات

ثم إن أصحاب القائم (عج) قسمان، الأول وهم عدة أهل بدر، الذين يبدأ الإمام (عج) حركته معهم من مكة المكرمة، كما ورد عن الإمام زين العابدين (ع) أنه قال: “المفقودون عن فرشهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا عدة أهل بدر فيصبحون بمكة، وهو قول الله (عزّ وجلّ): {أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً}، وهم أصحاب القائم (ع)”(5).

والقسم الثاني وهم بقية الأنصار الذين يتكوَّن مجموع الجيش منهم، إذ من المقطوع به أن جيش الإمام (ع) لا يقتصر على ذلك العدد القليل، وقد وردت عدة روايات تبين ذلك، منها ما ورد عن رجل سأل الإمام الصادق (ع): “كم يخرج مع القائم (ع)؟ فإنهم يقولون: إنه يخرج معه مثل عدة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، قال (ع): وما يخرج إلا في أولي قوة، وما تكون أولوا القوة أقل من عشرة آلاف”(6). وأيضا عن الإمام الجواد (ع): “يجتمع إليه من أصحابه عدة أهل بدر: ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، من أقاصي الأرض، وذلك قول الله (عزّ وجلّ): {أَيْنَ  قَدِيرٌ} فإذا اجتمعت له هذه العدة من أهل الإخلاص أظهر الله أمره، فإذا كمل له العقد وهو عشرة آلاف رجل خرج بإذن الله (عزّ وجلّ)، فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله (عزّ وجلّ)”(7).

وتتفاوت مقامات الأنصار من القسمين كما في بعض الروايات، ونحن هنا نذكر  بعض صفاتهم من دون التفريق بين القسمين.

صفات الأنصار

الإيمان ومعرفة الله حق المعرفة:

إن أدنى درجات الإيمان لا بد أن تتوفر في كل إنسان مسلم، وإن معرفة الله تعالى بنحو من الأنحاء لا بدّ منها، وإلا اختلَّ التوحيد والإيمان، وأما من يُنتَظرُ منه أن يكون مساهما في المشروع الإلهي العالمي، فلا بد أن يتميز في الإيمان والمعرفة، ويصل فيهما للذروة القصوى، التي تؤهله لتلك المهمة العظيمة. وكذلك هم أنصار المنتظر (عج) الذين وصفوا بأنهم كنوز الله، كما في قول أمير المؤمنين (ع): “ويحا للطالقان فإن لله تعالى بها كنوزا ليست من ذهب ولا فضة، ولكن بها رجال مؤمنون عرفوا الله حق معرفته وهم أنصار المهدي في آخر الزمان”(8). فسبب كونهم كنوزاً معنوية لله تعالى، هو كونهم رجالا مؤمنين عرفوا الله حق معرفته، ثم إن وصفهم ومدحهم بكونهم مؤمنين وعارفين بالله، يدل على الإيمان الكامل والمعرفة الكاملة، وإلا فإن الكثير يمتلك الإيمان الناقص والمعرفة الناقصة.

ومن أركان الإيمان، هو الإيمان بإمامة المهدي المنتظر (عج)، والاعتقاد بوجوده وولايته وإمامته، فقد روي عن الإمام الصادق (ع) في قول الله (عزّ وجلّ): {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} أنه قال: الآيات هم الأئمة، والآية المنتظرة هو القائم (ع)، فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل قيامِه بالسيف، وإن آمنت بمن تقدمه من آبائه (ع)(9).

الثبات على الإيمان:

الإيمان مهما عظم واشتد، فإنه يحتاج إلى الثبات حتى نهاية المطاف، والعبرة في الأعمال بخواتيمها، ولنا عبرة ببلعم بن باعورا الذي يروى أنه أعطي الاسم الأعظم، وكان يدعو به فيستجاب له(10)، وإذا به ينحدر من ذلك المقام السامي إلى مقام يعبر عنه القرآن بالكلب، {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}(11).

وفي حديث النبي (ص) في تعداد الأئمة (ع): “ثم سميي وكنيي حجة الله في أرضه، وبقيته في عباده ابن الحسن بن علي، ذاك الذي يفتح الله “تعالى ذكره” على يديه مشارق الأرض ومغاربها، ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلا من امتحن الله قلبه للإيمان”(12).

فالثابت على القول بإمامته (عج) هو رجل ممتحن، ثبتنا الله على ذلك، وهذا الثبات ليس أمرا يسيرا كما نتصوره، بل يحتاج إلى توفيق وسداد، وتضرع وبكاء، فمن الروايات المخيفة في هذا الأمر ما رواه الصدوق عن الصقر ابن أبي دلف قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الرضا (ع) يقول: “إن الإمام بعدي ابني علي، أمره أمري، وقوله قولي، وطاعته طاعتي، والإمام بعده ابنه الحسن، أمره أمر أبيه، وقوله قول أبيه، وطاعته طاعة أبيه، ثم سكت. فقلت له: يا ابن رسول الله فمن الإمام بعد الحسن؟ فبكي (ع) بكاء شديدا، ثم قال: إن من بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر. فقلت له: يا ابن رسول الله لم سمي القائم؟ قال: لأنه يقوم بعد موت ذكره وارتداد أكثر القائلين بإمامته. فقلت له: ولم سمي المنتظر؟ قال؟ لأن له غيبة يكثر أيامها ويطول أمدها فينتظر خروجه المخلصون وينكره المرتابون ويستهزئ بذكره الجاحدون، ويكذب فيها الوقاتون، ويهلك فيها المستعجلون، و ينجو فيها المسلمون”(13). وأيضا عن الإمام الكاظم (ع): “إنه لا بد لصاحب هذا الأمر من غيبة حتى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به، إنما هي محنة من الله(عزّ وجلّ) امتحن بها خلقه”(14). وعنه (ع) أيضا: “له غيبة يطول أمدها خوفا على نفسه، يرتد فيها أقوام ويثبت فيها آخرون، ثم قال: طوبى لشيعتنا، المتمسكين بحبلنا في غيبة قائمنا، الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا، أولئك منا ونحن منهم، قد رضوا بنا أئمة، ورضينا بهم شيعة، فطوبى لهم، ثم طوبى لهم، وهم والله معنا في درجاتنا يوم القيامة”(15). وعن الإمام الصادق (ع): “طوبى لمن تمسك بأمرنا في غيبة قائمنا فلم يزغ قلبه بعد الهداية”(16).

فالارتداد وإنكار إمامة المهدي (عج)، يحصل حتى ممن كان مؤمنا به وبوجوده، فالثبات على القول بإمامته يتطلب تقوية العقيدة به (ع)، وتهيئة النفس على قبول الحق وإن كان مُراً، فالاتكال على الإيمان الأدنى هو من ضعف الإيمان، ففي اليوم الموعود يظهر الإيمان الحقيقي ويتميز الناس، كما عن الصادق (ع): “إن هذا الأمر لا يأتيكم إلا بعد إياس، لا والله، حتى تميزوا”(17).

وأصحاب المنتظر (ع) يقعون في امتحانات كما عن الإمام الصادق (ع) قال: “إن أصحاب طالوت ابتلوا بالنهر الذي قال الله تعالى: سنبتليكم بنهر، وإن أصحاب القائم (ع) يبتلون بمثل ذلك”(18).

العبادة والخشوع:

يتولد من الإيمان بالله ومعرفته على الحقيقة، عشقٌ ولذةٌ في عبادته، كما هو حال الأولياء والأصفياء، و (كيفُ العبادةِ) وإن كان أهمَّ من كمِّها، إلا أن اجتماعهما مما هو مطلوب ومرغوب فيه شرعا وعقلا، وحال المعصومين (ع) (الذين حازوا قمة المعرفة واليقين) خير شاهد على ذلك، والأنصار وهم الذين ساروا على نهج المعصومين (ع)، لا يستثنون من هذه القاعدة، فقد ورد في وصفهم في حديث الباقر (ع): “رهبان بالليل، أسد بالنهار”(19)، وتعبير الإمام (ع) يدل على أن هذه الصفة دائمة ثابتة. كما ورد عن الإمام الصادق (ع) في وصفهم: “وهم من خشية الله مشفقون”(20)، والعبادة التي لا خشوع فيها، هي عبادة فارغة لا قيمة لها، وجاء عنه (ع) أيضا في قول الله (عزّ وجلّ): {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أنه قال: “ليس يعني أكثر عملا ولكن أصوبكم عملا وإنما الإصابة خشية الله والنية الصادقة والحسنة”(21).

تمنّي الشهادة:

لقاءُ اللهِ منيةُ المشتاقين، ويزداد الشوق إذا كان اللقاء عن طريق الشهادة، لأنها من أخصر الطرق للوصول إليه تعالى، ويشتدُّ الشوق إذا كان ذلك تحت راية المعصوم (ع)، فصحبة المعصوم (ع) مما يرجوه المؤمن، ولكنَّ شرفَ الشهادة بين يديه أكثرُ رجاءً، “ففوق كل ذي بر بر، حتى يقتل الرجل في سبيل الله فإذا قتل في سبيل الله فليس فوقه بر”(22)، ولذلك كان كثير من صحابة النبي (ص) وأمير المؤمنين (ع) يتمنون الشهادة في كل فرصة، وكذلك أنصار الحجة (عج)، كما ورد عن الإمام الصادق (ع) في وصفهم: “وهم من خشية الله مشفقون، يدعون بالشهادة، ويتمنون أن يقتلوا في سبيل الله، شعارهم: يا لثارات الحسين (ع)، إذا ساروا يسير الرعب أمامهم مسيرة شهر”(23). والروح الاستشهادية إذا لم تتوفر في المتصدين للحرب أو المقاومة أو الثورة، وأراد كلُّ واحد منهم أن يدرك زمن الفتح والنصر، فإنه من المستحيل أن يكون النصر حليفهم.

ألفة القلوب:

الوِحدة الحقيقية المرجوة للشعوب، – والتي تعتبر من أهم العناصر لتحقيق الهدف الكبير -، ليست مقتصرة على اجتماع الأجساد واصطفافها جنبا إلى جنب – وإن كان ذلك مطلوبا أيضا – وإنما الوحدة الحقيقية هي في اجتماع القلوب وألفتها، وليس ذلك بالأمر اليسير، فإن القلوبَ مختلفةُ الأهواء، متنوعةُ النزعات، والألفة {ولَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(24)، فألفة القلوب من الأمور المعنوية التي لا ينفع معها الإنفاق المادي وإن شمل ما في الأرض جميعا، وكان هذا الإنفاق من النبي (ص).  ثم إن هذا التدخل الإلهي لا يحصل إلا إذا علم الله الإخلاص من أصحاب تلك القلوب، وقد تقدم في حديث الجواد (ع) عن ظهور الحجة (عج): “فإذا اجتمعت له هذه العدة من أهل الإخلاص أظهر الله أمره”، لذلك فإن الله يؤلف بين قلوبهم، كما روى الحاكم النيسابوري في مستدركه عن محمد بن الحنفية أنه قال: كنا عند علي (ع) فسأله رجل عن المهدى فقال علي (ع): “هيهات ثم عقد بيده سبعا فقال ذاك يخرج في آخر الزمان إذا قال الرجل: “الله الله” قُتِلَ، فيجمع الله تعالى له قوما قزع كقزع السحاب يؤلف الله بين قلوبهم لا يستوحشون إلى أحد ولا يفرحون بأحد يدخل فيهم على عدة أصحاب بدر لم يسبقهم الأولون ولا يدركهم الآخرون وعلى عدد أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر”(25).

القوة البدنية:

من الطبيعي جدا أن يمتلك أنصار المهدي (عج) قوة بدنية، ولياقة عسكرية متميزة، لأنهم مكلفون للقيام بنصرة الدين نصرة عسكرية، ومن واجبهم الأساسي المشاركة في الحرب التي يقودها الإمام (ع)، ومن لوازم الحرب الكر والفر، وحمل السلاح، واستعمال المعدات العسكرية، والسهر والتعب والمشقة، وكل ذلك يحتاج إلى لياقة وقوة وتحمل وصبر، ويحتاج إلى خبرة قتالية، وهذا ما يجعل المؤمن المنتظر لليوم الموعود انتظارا حقيقيا، يسعى ويمهد نفسه من هذه الناحية، فمجرد كون الإنسان مؤمنا مخلصا، لا يؤهله للقيام بنصرة الإمام (ع). وقد ورد عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: ما كان قول لوط (ع) لقومه: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} إلا تمنيا لقوة القائم (ع) ولا ذَكَرَ إلا شدة أصحابه وإن الرجل منهم ليعطى قوة أربعين رجلا، وإن قلبه لأشد من زبر الحديد، ولو مروا بجبال الحديد لقلعوها، ولا يكفون سيوفهم حتى يرضى الله (عزّ وجلّ)(26). وتقدم في حديث الباقر (ع) في وصف الأنصار: “رهبان بالليل، أسد بالنهار”(27).

ويظهر من رواية أخرى أن هذه القوة إنما تكون بإعجاز من الإمام (ع)، كما في الحديث عن أمير المؤمنين (ع) حول المهدي (عج): “له (المهدي) اسمان: اسم يخفى واسم يعلن، فأما الذي يخفى فأحمد وأما الذي يعلن فمحمد، إذا هزَّ رايته أضاء لها ما بين المشرق والمغرب، ووضع يده على رؤوس العباد فلا يبقى مؤمن إلا صار قلبه أشد من زبر الحديد، وأعطاه الله تعالى قوة أربعين رجلا، ولا يبقى ميت إلا دخلت عليه تلك الفرحة (في قلبه) وهو في قبره، وهم يتزاورون في قبورهم، ويتباشرون بقيام القائم صلوات الله عليه”(28). وأكثر الأنصار من فئة الشباب كما عن علي (ع): “إن أصحاب القائم شباب لا كهول فيهم إلا كالكحل في العين، أو كالملح في الزاد، وأقل الزاد الملح”(29).

الانتظار:

تكاثرت الروايات في مدح الانتظار والمنتظرين، فقد عبرت عن الانتظار بأنه أحب الأعمال إلى الله، وأنه أفضل العبادة، وأنه من دين الأئمة (ع)، وعبرت عن المنتظر بأنه كالشاهر سيفه بين يدي رسول الله (ص) يذب عنه، وأنه كمن كان مع القائم (ع) في فسطاطه(30). وعن الإمام الجواد (ع) في جوابه لعبد العظيم الحسني (رضي الله عنه): “يا أبا القاسم، إن القائم منا هو المهدي الذي يجب أن ينتظر في غيبته، ويطاع في ظهوره”(31).

وتعبير الإمام (ع) بـ”يجب”، يدل على أن الانتظار مسؤولية جسيمة ملقاة على عاتق المؤمنين، ويجب أن يتعامل معها بإيجابية، فبغيبة الإمام (ع) لا يرتفع التكليف، ولا تسقط المسئولية، بل تزداد المسئولية على المؤمن، فهو مطالب بأن يدعو الناس إلى الإيمان بإمام غائب لا يرى، وهو أصعب من الدعوة للإمام الحاضر.

وعن النبي (ص): “أفضل جهاد أمتي انتظار الفرج”(32)، والجهاد يحمل في طياته الحركة والنشاط، والجد والاجتهاد، والروايات التي تقدم مضمونها، تدل على ذلك أيضا، فليس من المعقول أن ينال هذا المقام العالي، من لزم بيته، وترك الحبل على الغارب، لا حركة له ولا نشاط، بحجة انتظار الحجة (عج).

ثم إن في الانتظار لوعة الفراق، وانكسار القلب، والألم والحسرة، فليس بالأمر السهل أن يبقى الإنسان المؤمن بعيدا عن إمامه، محروما من صحبته والاستنارة بنوره. ولكن يبقى المؤمن الصادق في ارتباطٍ دائمٍ بإمامه، لا ينسى ذكره، والدعاء له بالفرج، وكما في التوقيع الصادر من الناحية المقدسة: “وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإن ذلك فرجكم”(33).

الخلاصة

أن الأنصار يتمتعون بمزايا وخصال، بها يفوزون بنصرة الإمام (ع) وصحبته. ويصلون إلى مقام يشتاق عليٌ (ع) لرؤيتهم فيقول: “طوبى لهم على صبرهم على دينهم في حال هدنتهم، ويا شوقاه إلى رؤيتهم في حال ظهور دولتهم، وسيجمعنا الله وإياهم في جنات عدن ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم”(34). وتفخر الأرض التي يطئونها كما عن الباقر (ع): “كأني بأصحاب القائم (ع) وقد أحاطوا بما بين الخافقين، فليس من شئ إلا وهو مطيع لهم حتى سباع الأرض وسباع الطير، يطلب رضاهم في كل شيء، حتى تفخر الأرض على الأرض وتقول: مر بي اليوم رجل من أصحاب القائم (ع)”(35). ويقول عنهم السجاد (ع): “إن أهل زمان غيبته القائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره أفضل من أهل كل زمان، لأن الله تبارك وتعالى أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله (ص) بالسيف، أولئك المخلصون حقا وشيعتنا صدقا، والدعاة إلى دين الله (عزّ وجلّ) سرا وجهرا”(36).

وبدون هذه الخصال يحرم الإنسان نفسه من هذه النعمة العظيمة، والمنة الجسيمة، ويكتفي بالحظ الأدنى من الحظ الأوفر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلاته وسلامه وتحياته على من اصطفى من عباده الطاهرين، والحمد لله رب العالمين.

—————————————————

(1) مصباح المتهجد، ص843.

(2) المزار لمحمد بن المشهدي، ص107.

(3) مصباح المتهجد، ص413؛ كمال الدين، ص512.

(4) غيبة النعماني، ص207.

(5) كمال الدين، ص654.

(6) كمال الدين، ص654.

(7) كمال الدين، ص378.

(8) البحار، ج57، ص229.

(9) الإمامة والتبصرة لابن بابويه، ص102.

(10) البحار، ج13، ص377.

(11) الأعراف: 176.

(12) كمال الدين، ص253.

(13) كمال الدين، ص378.

(14) كمال الدين، ص360.

(15) كمال الدين، ص361.

(16) كمال الدين، ص358.

(17) ميزان الحكمة، ج1، ص183.

(18) غيبة النعماني، 331.

(19) الملاحم والفتن، ص137.

(20) مستدرك الوسائل، ج11، ص114.

(21) الكافي، ج2، ص16.

(22) الكافي ج2، ص348.

(23) مستدرك الوسائل، ج11، ص114.

(24) الأنفال: 63.

(25) المستدرك للنيسابوري، ج4، ص554.

(26) كمال الدين، ص673.

(27) الملاحم والفتن، ص137.

(28) كمال الدين، ص653.

(29) غيبة النعماني 330.

(30) راجع: ميزان الحكمة، ج1، ص182، و183.

(31) كمال الدين، ص377.

(32) تحف العقول، ص37.

(33) كمال الدين، ص485.

(34) الكافي، ج1، ص335.

(35) الإمامة والتبصرة لوالد الصدوق، ص131؛ وكمال الدين، ص673.

(36) كمال الدين، ص320.

 

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى