الأربعاء - 30 ذو القعدة 1438 - 23 أغسطس 2017
جديد الموقع
ما فائدة وجود الإمام (عليه السَّلام) وهو غائب؟

ما فائدة وجود الإمام (عليه السَّلام) وهو غائب؟

ما فائدة وجود الإمام (عليه السَّلام) وهو غائب؟

الشِّيخ سعيد المادح

غَيْبة الإمام – بلا شكٍّ – قد تركت فراغًا في مساحات الحياة من قبيل احتجاب القدوة والأسوة الكاملة عن أعين النَّاس متمثِّلة في الإمام المعصوم الغائب، ولكن مع كلِّ الفراغ الذي خلَّفه غَياب الإمام إلَّا أنَّ ذلك لا ينفي كلَّ فائدة من وجوده غائبًا.

فوظائف الإمام لا تتوقَّف على الالتقاء المباشر بجميع النَّاس، فقد كان جميع الأنبياء والائمَّة (عليهم السَّلام) غائبون عن كثيرٍ من النَّاس في زمانهم، ممن يقطُنون الأمصار والأصقاع البعيدة، ولم يضرَّ ذلك بأصل وجود النبي، ولم تنتفِ الحاجة إليه بالنِّسبة لمَن كان غائبا عنهم.

وليس بدعًا من القول أنَّ يكلِّف الله تعالى وليًّا من أوليائه بمهام خاصَّة يؤدِّيها لعباده من دون أنْ يعرفوه بشخصه، فهذا الخضر (عليه السَّلام) – وهو نبيٌّ على قول بعض العلماء – ولا يعرفه أحد من النَّاس إلَّا اللَّهمَّ نبي الله موسى (عليه السَّلام)، ومع ذلك كان يرعى شؤون العباد من دون أنْ يعرفوه، ولقد ضرب الله به مثلًا في القرآن، وجعله آية للمتدبِّرين، ولا ينكره أحد من المسلمين.

بعد هذه المقدمة المقتضبة ندخل في صلب الموضوع، فما هي فوائد وجود الإمام مع كونه غائبًا؟

في البداية لا بدَّ أنْ نعرف أنَّ للإمام المنتظر (عج) وظيفة تختلف عن كلِّ الأنبياء والائمَّة وهي إقامة دولة تحكم العالم بأكمله، وتكون خاتمة الدُّول في الأرض، ومنطقيًّا جدًّا أنَّ هذا يتطلَّب تهيئة شاملة للعالم، وهذه التَّهيئة الطَّبيعيَّة لازمة وضروريَّة؛ لنجاح الإمام في بسط العدل والحكومة الإلهيَّة في كلِّ المعمورة، ولقد شاءت إرادة الله تعالى في كلِّ تاريخ البشريَّة أنْ يكون التَّغيير عبر الأسباب الطَّبيعيَّة من دون جبر للإنسان على سلوك طريق الخير واختيار النِّظام الذي يحكمه، وإنَّما الحركة التَّغييريَّة يجب أنْ تكون نابعة من نفس النَّاس، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، والحركة التَّغييريَّة للإمام ليست شاذَّة عن هذه القاعدة التي سار عليها جميع الأنبياء والأوصياء والمصلحين، فرغم وجود الإعجاز في بعض المفاصل إلَّا أنَّ ذلك لا يسلب حرِّيَّة الاختيار لدى البشر، ولا يرغمهم على الانصياع للحكومة الإلهيَّة، ولذلك لا بدَّ من تهيئة شاملة تحت نظر ورعاية خليفة الله الذي سيقود عمليَّة التَّغيير العالميَّة، فلا بدَّ من وجوده لتمهيد الأرض، فعمليَّة التَّمهيد البشريَّة لا تكون عشوائيَّة، بل لا بدَّ من نظم، ولا نظم من دون ناظم من البشر يصطفيه الله؛ ليعيش معهم وبينهم وفيهم: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾، وهكذا تستفيد الأرض من وجوده المبارك – وإنْ كان متخفِّيًا -؛ ليكون حاضرًا للحظة الصِّفر في كلِّ وقت ومتَّى ما تمَّت التَّهيئة التي يكون للنَّاس دورهم أيضًا في تأخُّرها، أو تقدمها بحسب استجابتهم واستعدادهم.

ومن جهة أخرى، فإنَّ من الثَّابت في مدرسة أهل البيت (عليهم السَّلام) أنَّ الإمام الحجَّة (عج) يلتقي بالنَّاس في هذه الغَيبة ويعرفهم، غاية الأمر أنَّهم لا يعرفونه.

فاحتجاب الإمام المهدي (عج)، وعدم معرفة النَّاس بشخصه لا يمنعه من ممارسة دوره الرِّساليِّ، وإقامة الحجَّة والهداية لمَن يستمع القول فيتَّبع أحسنه، فربما التقى الإمام بي، أو بك!، فأشار بما يصلحني ويصلحك، أو أتى لإحدى الشَّخصيَّات المؤثِّرة في المجتمع – مثلًا -، فنبَّهه لخطأ، أو حذَّره من كارثة محدقة بالمجتمع، فإنْ كان ذلك الشَّخص من أهل التَّقوى فإنَّه سينصاع للحقِّ لما جاءه، وهكذا تصل الحقيقة للبشر، فلا بدَّ من بشر معصوم يمتلك الحقيقة، ويوصلها للنَّاس في كلِّ زمان وبذلك تتم الحجَّة، قال تعالى: ﴿فَللهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾، تمامًا كما يفعل النَّبيُّ، وكلُّ إمام في حال حضوره بين النَّاس، فقد كان يرشد النَّاس والعلماء في زمانه، فمَن شاء اهتدى وهدى، ومن شاء ضلَّ وأضلَّ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.

وفي الحقيقة، فإنَّ الفوائد التي يمكن إدراكها بالتَّأمُّل كثيرة، وكلَّ فائدة يتفرَّع منها ما لا حصر له من الثِّمار التي يجنيها المجتمع والأفراد جيلًا بعد جيل، ولنضربْ مثلًا واحدًا فقط مراعاة للاختصار، ودعونا نستثير العقل في هذه الفائدة، وليتأمَّل المتأمِّلون كم سيربحون من ثمراتها؟، وكم خسر ويخسر من جحدها؟، أو أنكرها بغير علم، تأمَّلوا: هل تستوي أمَّة لها قائد واحد تهتدي بَهَدْيه مع أمَّة بلا راعٍ أو بألف راع؟!

العقل والفطرة يرفضان فكرة أنْ تكون أيُّ أمَّة، وأيُّ مشروع بلا راع يقود مسيرته، تمامًا كما يرفضان أنْ تكون السَّفينة من دون ربَّان، أو يكون لها ألف ربان، وإلا لتاهت السَّفينة والأمَّة.

إذًا، كيف سيكون حال الأمَّة اليوم لو كانت تؤمن بإمام واحد، وتصبُّ كلَّ جهودها تحت رايته، وتمهِّد الأرض لدولته؟

اطلقوا العنان لعقولكم، ولن تبلغوا إدراك حجم الثَّمرات والفوائد التي ستجنيها الأمَّة لو كان في عنقها بيعة لإمام زمانها.

إذًا لما ماتت ميتة جاهليَّة.

كم خسرنا وكم نخسر بعد أنْ تحوَّلنا إلى مليون أمَّة متشرذمة تتكالب علينا الأمم من كلِّ حدب وصوب؟

أليس هذا هو واقع الأمَّة اليوم بعد أنْ تفرَّقت عن أمر ربِّها، حتَّى تداعت الأمم عليها تداعي الأَكَلة على قصعتها، بعد أنْ تحوَّل المسلمون إلى غثاء كغثاء السَّيل؟

أليس هذا هو حال الأمَّة الإسلاميَّة اليوم – مع الأسف الشَّديد – بعد أنْ انقلبت على عقبيها بعد رحيل نبيِّها ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾؟

فليس بعد التَّفرُّق عن منهج السَّماء إلَّا التِّيه في الصَّحراء.

انظروا كم خسرت الأمَّة بعد أنْ ابتعدت عن وصيِّ نبيِّها وإمام زمانها المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه)؟، وكم كانت ستربح لو التزمت بإمام واحد كما أمر الله تعالى ورسوله، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤمِنُون﴾ صدق الله العظيم.

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى