الأربعاء - 30 ذو القعدة 1438 - 23 أغسطس 2017
جديد الموقع
آية الله قاسم: الإمام الخميني واحدٌ من أشمخ عمالقة الخير في الأمة بعد المعصومين (ع)

آية الله قاسم: الإمام الخميني واحدٌ من أشمخ عمالقة الخير في الأمة بعد المعصومين (ع)

الخطبة الثانية (السياسية) لصلاة الجمعة | 7 شعبان 1435هـ – 6 يونيو 2014م | جامع الإمام الصادق (ع) بالدراز.

أزمة الوطن:

ليس في مقدور أحدٍ اليوم من الناحية الموضوعية أن ينكر أن الوطن يعيش أزمةً حادّة أراد حلّها أو بقائها، أو أن تأخذ في التفاقم والازدياد إضراراً منه بنفسه والآخرين، (….).

والأزمة هذه لها طرفان، فهي أزمة بين الشعب والحكم، وحلّها الحل الصائب المنُهي لها يحتاج إلى أن يكون حلّاً عادلاً وإلى موافقة الطرفين نفسهما، أما الظلم فهو أساس المشكل فكيف يضمن حلّها، وأما عدم الموافقة من طرفٍ على الحلّ وإذعانه إلى ما هو حلٌ حق أو باطل فحتماً لا يعني إلا استمرار الصراع، فما أستمر طرفٌ على صراعه إلا وشاركه الآخر الردّ بمثل ما عليه موقفه. فأي حلٍ على هذا لابد أن ينتهي إلى الموافقة من طرفيّ الصراع.

أما الجمعيات الممثلة للمعارضة الشعبية فهي جزء من الشعب والمعارضة، وليست الشعب كلّه ولا كلّ المعارضة، فلو لم تلتفت هذه الجمعيات أو بعضها إلى ما يرضي الشعب المعارض من الحلّ وأقدمت على اتفاقٍ موقع بينها وبين السلطة من دون موافقة الشعب ومن دون أن يرضى به فالنتيجة أن تُعزل هذه الجمعيات شعبياً لانفصال إرادتها عن إرادته وأن تبقى حالة التوتر وحالة الاصطدام التي تريد الفرار منها وطيّ صفحتها.

وأمرٌ آخر يترتب على ذلك، فإن مرشحي هذه الجمعيات على تقدير مفارقتهم لإرادة الشعب لن يصل أحدٌ منهم إلى المجلس النيابي بانتخاب الشعب، ووصلوهم جميعاً إلى العضوية النيابية أو بعضهم أو كان من غيرهم لن يعني مطلقاً تمثيله وإنما سيكون في نظر الشعب في عداد الموالاة.

وبهذا يتحتّم على الباحثين عن الحل لأزمة الوطن أن يركزّوا على الحل الذي يُتوقع له أن ينال الموافقة من الشعب وأن يبُتّ وأن تنال ثقته به.

وإذا كان يتعذّر أن يُجمع الناس على أمرٍ واحد فلا طريق في مثل نجاح هذا الحل من ناحية عملية إلا بنيله على موافقة الأغلبية والمطلقة على مستوى الشعب.

ما أنفع ذلك كلّه؟

مُضرّةٌ هي هذه الأمور:

 الانقسامات بين الحكومات وشعوبها، وأن ينشأ ويستمر الصراع بين أي حكومةٍ وشعبها، وأن تخضع حياة الأوطان لهذا الصراع.

ثانياً: أنه إذا اقتضت الأوضاع الظالمة من صنع حكومةٍ أن يدخل الشعب في صراعٍ مع حكومته طلباً للعدل أن تتمزّق المعارضة -مضراً جداً-  وأن تدخل صراعات فيما بين أطرافها، وينشأ التعارض بين قواها وفصائلها.

ثالثاً: أن يكون التعبير عن الخلاف بين أي حكومة وشعبها عن طريق العنف واللجوء إلى أساليب القوة المادية الباطشة، وسفهاً أن يُظنّ أن العنف ضد الشعوب واضطهادها على يد الحكومات المسيطرة عليها وسيلة أمان لحكومة أو وطن وضمانٌ لإستمرار الظلم وبقاء الظالم، وإذا تُوّهم أن ذلك طريقٌ ناجحٌ لهذه الغاية غير الإنسانية في زمن غفوة الأمم والشعوب فإنه لا ينبغي توهمّه مطلقاً في زمن يقظتها وصحّة إرادتها.

رابعاً: أن يسود التوتر في العلاقات دول الإقليم أو علاقات الأمة.

خامساً: أن يحدث التجاءٌ من بعض هذه الدول للاحتماء من البعض الآخر بالعدو المشترك والذي يُعلم تربصه بها جميعاً واستهدافها منه جميعاً وإن اقتضى توصّله للقضاء عليها أن يسلك إلى ذلك طريق المراحل وأن يخوض معركته معها عبر ما تملكه هي من قدرات وما تخلّفه الصراعات بينها من فواصل واسعة وعميقة على مدى زمنٍ بعيد مما يمكنّه من إحكام القبضة عليها وتفويت أي فرصة نجاةٍ لها من أسره.

ونافعٌ جداً أن تكون العلاقة بين أي حكومة وشعب محكومة للحقّ والعدل بما يوفّر حياة الاستقامة والتقدّم والأمن الشامل المشترك وأجواء الانسجام.

ثانياً: أنه إذا اضطر الأمر من خلال الظلم المتفاقم على يد حكومة لشعبها أن توجد في وجهه معارضة وأن تكون قوى هذه المعارضة وفصائلها موّحدةً حتى إنهاء الظلم، وأن يبقى طلبُ العدل جامعاً بينها بعده.

ثالثاً: أن يُلجئ إلى الحوار المنتج المتحرّك في إطار ما هو الحق والعدل في الخلاف بين الحكومات وشعوبها، وأن يُلتزم من قبل الطرفين بالأساليب السلمية في حالات الاختلاف والتنازع.

رابعاً: أنه إذا نشأت توترات إقليمية يتصدى لها حكماء الطرفين بمحاولات التخفيف والتهدئة حتى تتحوّل إلى علاقات إيجابية نافعة.

خامساً: أن تتوّحد الجهود الإقليمية وجهود الأمة كلّها من أجل حمايتها وحماية مكاسبها وبنائها البناء الصالح القويّ في مختلف مجالات الحياة وميادينها، وكون الأمة كذلك وما تتطلع إليه شعوب الأمة الواعية والمخلصون من أبنائها، ويحمّلون أمانته جميع أنظمتها السياسية والحكومات المُنبثقة منها.

مفخرةٌ من مفاخر الإسلام:

في أمة الإسلام أمة الخير عمالقةٌ في الخير من صنع الإسلام، وعمالقة في الشر على خلاف الصنع.

والإمام الخميني واحدٌ من أشمخ عمالقة الخير في الأمة بعد المعصومين (عليهم السلام)، وأرسخهم قدماً في العلم والإيمان، وأشدّهم بأساً وثباتاً على الحقّ، وصفاءً في الروح، وتوّقدّاً في الذهن، وتفانياً وتضحيةً في سبيل المبدأ، وسعياً بجدٍ وإخلاصٍ من أجل وحدة الأمة.

كان القائد الإسلامي الكُفء المنقذ، وكان من توفيق الله لهذه الأمة أن عرّفها إيّاه وهداها للالتفاف به في بعضها أيّما التفاف.

وإذا قلنا بأن الإمام الخميني رجلٌ عظيم، فإن العظمة في سببٍ من أسبابه الرئيسة إنما ترجع إلى المبدأ الذي ينتمي إليه الإنسان، والمدرسة التي يتخرّج على رؤيتها وأخلاقيتها ومنهجها وكل خصائصها.

والعظمة سموٌ في الذات، فكراً صاعداً، ورؤية كونية معمّقة، وخلقاً كريماً، وقصداً طاهراً، وروحاً مشّعة، وقلباً زكياً، وإرادة في الخير صلبة، وطموحاً شامخاً، وهمّة عالية.

وإنسانٌ بهذه العظمة والسمو لا تنتجه انتماءات الأرض، ولا يصنعه إلا الانتماء إلى السماء.. لا تعطي مثله إلا المعرفة بالله، والتعلّق به، وحبه ورجاءه وخشيته والاستغناء به، تعطي مثله الاستضاءة بمنهج الله وتمام الخضوع إليه.

وإنسانٌ بهذه العظمة وهذا السمو لابد أن تنشدّ إليه نفوس الطيبين والباحثين عن الجمال والحقيقة والعاشقين للكمال.

وإنسانٌ بهذه العظمة والسمو لا يأتي دوره في الناس والحياة إلا كبيراً صالحاً هادياً منقذاً، وهكذا كان الإمام الخميني قدس الله سرّه.

والسيدُ الإمام الذي لا يتّسع لروحه العالية أفق الأرض وتطلّعاتها وما هو أبعد مدىً فيها لا يمكن أن يؤطر بإطار جغرافي أو قومي أو عنصري، ولا يمكن أن يتسع لروحه إلا الانطلاق إلى السماء والانتماء إلى الدين الحق، والإنشداد العبودي الخالص القائم على الحب والعشق للخالق العظيم، وهو بهذا يكون لكلّ الأمة ولكل عبدٍ من عباد الله في صلاح.

السيد الإمام ليس ابن المكان الذي وُلد وتربّى فيه، ولا ابن العرب الذين يرجع إليهم في أصله، ولا ابن قُريشٍ القبيلة العريقة الذي يعود نسبه إليها، فلإن كان ينتمي أرضياً لكل هذا كما هو الحال فعلاً، لكنه بروحه العالية وقلبه المفعم بالإيمان، وشخصيته النموذجية الطاهرة وواقعه المجيد إنما هو ابن العبودية الصادّقة لله سبحانه، وللدين الحقّ ومنهج الإسلام.

وفي انتمائه للأمة الإسلامية الحقّ الصدّق أرضى انتماء له في الناس، إنه ابنُ هذه الأمة والمخلص لها والبارّ بها، وأفقه الإنساني يبقى مفتوحاً إلى المدى الأبعد والأكثر امتداداً.

وقف من القضية الفلسطينية وهو الشيعي الإيراني الوقفة الصادقة في دوره الفقهي، وفي دوره الثوري، وأيام حكمه، ولم يتأثر موقفه الحازم في نصرة فلسطين الإسلام والفلسطينيين، وما كان عليه موقف عددٍ من الأنظمة العربية في مضادّته.

ووقف الموقف المُعاند المُكابر للاستكبار العالمي غربيّه وشرّقيه، وفي وجه كل الطاغوتية في الأرض وهو يحكم دولة فتيّة تحتاج إلى أن تقوم على ساق.

وقف منتصراً لقضايا المستضعفين في العام من كل الأديان والانتماءات انطلاقاً من إيمانه بالحق وكفره بالباطل.

لم يتراجع عن خطّه الإسلامي وهدفه في إقامة الحكم الإلهي في الأرض أمام كلّ تحديات الداخل والخارج مجتمعة ومستشرسة.

ما عدل به عن سيرة زهده وتقشفه أن حكم وملك..

حقّ على الأمة الإسلامية كلّها وعلى مستضعفي العالم تخليد ذكرى هذا الرجل والاستلهام من سيرته، والتسليم لعظمة المدرسة التي أنجبت هذا النموذج الرسالي الفذّ، وهذه الشخصية الجليلة الكريمة.

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى