الأحد - 16 ذو الحجة 1440 - 18 أغسطس 2019
جديد الموقع
آية الله قاسم: حركة شعوب الأمة بدأت تفرض نفسها في أكثر من مكان.. ولا شيء يوقفها

آية الله قاسم: حركة شعوب الأمة بدأت تفرض نفسها في أكثر من مكان.. ولا شيء يوقفها

آية الله قاسم: حركة شعوب الأمة بدأت تفرض نفسها في أكثر من مكان.. ولا شيء يوقفها

الخطبة الثانية (السياسية) لصلاة الجمعة | 23 رجب 1435هـ – 23 مايو 2014م | جامع الإمام الصادق (ع) بالدراز

السيف أو العدل، والإفساد أو الإصلاح؟

البحرين التي يجب أن تكون عزيزة على جميع أبنائها وأبناء الأمة واحدةٌ من البلدان التي تعاني من أزمة سياسية حادّة مؤثرة سلبًا على كل الأوضاع، وفي استمرارها خطرٌ محدقٌ عظيم. والبعض يختار أن يستمر الاحتكام للسيف وأن يزداد فتكه ضراوة وأن يحمى استمرار الفساد بكل أشكاله وصوره ومجالاته من فساد سياسي واقتصادي واجتماعي وكل فسادٍ يُنتجه الخلل السياسي والظلم السياسي ما وجد وطال بقائه.

هذا البعض لا يريد حوارًا، لا يريد تفاهمًا، لا يريد عدلاً، لا يريد أن يُعترف بحقٍ لمظلوم، باعتبارٍ لمهمّش، لا يريد إصلاحًا للوضع خاصة الوضع السياسي السيّء، وهو منبعٌ لكل المشاكل. يحرص هذا الرأي كل الحرص على بقاء التمييز السياسي الطائفي والعائلي وتسييجه بكل ضمانات البقاء والذود عنه دستوريًا وقانونيًا ومن خلال كل أسباب القوة وبالبطش والفتك وأعلى درجات القسوة.

وتعلن هذا الرأي أقلامٌ وألسنٌ لعلماء دين وسياسيّين ومثقفين من مقرّبين للحكم ومتنفّذين ونفعيين ومنتهزين ومتسلّقين، والسؤال هل هذه الألسن والأقلام التي تصرّ على بقاء الفساد والركون للسيف لحمايته واستمراره وترفض أيّ عدلٍ وإنصاف وإصلاح وتعلن رأيها الصريح أو المبطّن لهذا الأمر، هل هي مندفعة إلى ذلك ابتداءً أو أنها مدفوعة ومأجورة لأن تقول هذا الرأي وترفع رايته؟

ولا شك في إثم هذه الفئة ومسؤوليتها أمام الله سبحانه، ثم الوطن والتاريخ، وإضرارها بالشعب سواءً كان تبنّيها لهذا الرأي والترويج له عن اندفاعة ذاتية ابتداءً أو استجابة لأمر آمر وعن تنسيقٍ مع الغير وتوزيعٍ أو تكاملٍ في الأدوار.

والمُطمئّن إليه على كل حالٍ أن هذا الدور السيّء من هذه الفئة غير المستقلّة لا يمكن أن يأتي بعيدًا عن التنسيق مع أهل السلطة نهائيًا وعلى خلاف ما يريدون، فالسلطة هي الأولى بحماية مكاسبها والذود عن مصالحها وإن كانت على خلاف الحق والعدل، وعلى حساب حقوق الشعب وحريّته وكرامته.

والتابعُ لسانُ الأصل، ولا منطق للتابع غيرُ منطق الأصل، فالفكرة فكرةٌ نابعةٌ من السلطة ولو بعضها، ويشارك في التعبير عنها من يقوم بذلك بالنيابة، ولعلّ هذه الضجّة العالية المعارضة للإصلاح هي نوعٌ من الضغط المشدّد للمعارضة، وتحضيرٌ للاعتذار عن الإصلاح بدرجة مؤثرة وبقصد أن تتفكّك المعارضة ويتبعثر وجودها.

إن ما تريد أن تَقدم عليه السلطة من الموافقة على شيء تسمّيه إصلاحًا هو بعيد عن الإصلاح وعن سقف الإصلاح الذي كلّف الشعب ما كلّف وبذل من أجله ما بذل، إنه إصلاحٌ لا صلة له حقيقية بمطالب الشعب التي بذل من أجلها كل غالٍ ورخيص، ما ودّع من شهداء، ما لاقى من عذاب، ما ذاق من ضيق السجون، ما فقد من أمن، ما اعتراه من إعلانٍ مشوّه، من آلامٍ لا يمكن أن تحصر في هذا المقام.

وحجة أخرى تسوقها السلطة لا حاجة لذكري لها، وبغض النظر عن أيّ انتصار وضغط رسمي داخلي أو خارجي ضد الإصلاح يمكن أن يُدعى أنه ضد الإصلاح والتغيير أو معه فإن حركة شعوب العالم لصالح التغيير والحرية والعدل وإشراك الشعوب في إدارة شأنها العام وتقرير مصيرها، وكذلك حركة شعوب الأمة بدأت تخرج عن حدّ السيطرة من قبل الحكومات وتفرض نفسها في أكثر من مكان، ولا شيء يوقف هذه الحركة، وكل أوضاع العالم تتجه إلى التغيير ومحاولات منعه لا نجاح لها على الإطلاق.

ومطلب الإصلاح في البحرين لا يمثل طفرة في سقفه، ولا يستهدف بالتهميش مكوّنًا كبيرًا أو صغيرًا من أيّ اتجاهٍ من مكوّنات الوطن، وكل ما يحاوله أن يؤسس لحياة العدل والمساواة والإخاء والمحبّة، ووضعٌ هذا قوامه لا يعود بضرر على داخلٍ أو خارج، وإنما كل عائده خير.

من أين جوع البطون؟

في الأرض جوعٌ كثيرٌ من البطون، وعريٌ كثير من الظهور، ضياعٌ بلا مأوى، انتشارٌ للأوبئة، خوفٌ مرعبٌ يكتسح العالم، حروبٌ ظالمة طاحنة، عبثٌ بالثروة، رحلات موت يقدم عليها كثير من الباحثين عن لقمة العيش، وكثيرٌ من ملاحقي السلطات الجائرة، بيعُ دينٍ، بيعُ عرض، بيعُ أولادٍ بدافع سدّ الجوعة، إقدامٌ على ما هو من أكبر الإثم وأخسّ دور يمارسه إنسان من تعذيب الأبرياء والسعي بهم إلى السلطات الجائرة سعيًا وراء اللقمة لسدّ أبوابها الشريفة الحلال أمام طلاّبها أو بفعل سوء التربية المادية الجشعة التي توقع الناس فيها الأنظمة الجائرة.

الإقدام على العيش في أجواء الغربة مع ما تسبّبه من الانسلاخ من الدين والقيم المعنوية الرفيعة، مع ما يواجهه هؤلاء الغرباء من كراهية شعوب البلدان المضيفة وحالات الإذلال والازدراء التي يتلقّونها.

في الأرض هذا كلّه، الأرض تشهد هذا كله، وفيها هذا كلّه، وما هو أكثر منه، فمن أين هذا كلّه؟ وراء كل ذلك جنونان، جنون سلطة وجنون مال، جنونان يحكمان عقلية بشر من البشر ويسيطران على فئة من الناس بصورة شاذّة فريدة تسلبهم إنسانية الإنسان.

جنونان، جنونا شرًّ متآخيان مترابطان متناصران، كلٌ منهما لا بدّ له من الآخر، ولا غنى له عنه ولا استمرار له إلا به، الجشع الاقتصادي، جنون المال وجنون السلطة.

الظلم الاقتصادي ونهب الثروات العامة والخاصة لا يستمر ولا يتوسّع إلا بدعمٍ من تسلّط سياسي، وإلا لانتهى على يد المنهوبين والمحرومين، والتسلّط السياسي الظالم لا يتركّز ولا يضمن استمراره ولا يحمي ذاته إلا بعدد من الترتيبات والإجراءات الباغية المفسدة من مثل نهب الثروات الطبيعية وسرقة جهود الأمة واستثمار عرقها بصورة جائرة لسدّ حاجة الجيوش التي تتبع إرادة السلطة من غير مراعاة دينٍ أو خلقٍ أو إنسانية مدفوعة في تنفيذها لتلك الفئة الظالمة لحاجة المال ونهمه والإغراء به.

ومثل الجيوش المستخدمة لإرادة السلطات، أجهزة الشرطة والمخابرات، وأجهزة القضاء والتنفيذ، والتي تحتاج إلى ميزانيات ضخمة.

إسقاط قيمة الدين في النفوس إلا بمقدار ما يصلح توظيفه لخدمة السياسة الظالمة واستغفال الشعوب.

ثالثًا: نشر حالة الفساد والسقوط الخلقي لتأمن السلطات الظالمة من يقظة الشعوب وما تستتبعه من تحرّك لاسترداد الحق ورفع الضيم.

ونهم التسلّط والروح الطاغوتية تتنامى عند أهلها وتتعملق وتتوسّع فلا تقف عند حدّ جغرافي ولا تقتنع بالسيطرة على وطن أو قومٍ أو أمة، فهي دائمًا في طلب المزيد، وعلى هذا الطريق تُحرق الثروات وتستنزف الأموال الطائلة وتعطل الجهود المنتجة وتأتي على الأخضر واليابس وكل ذلك مما يخلّ بالوضع الاقتصادي ويعطّل حركة النمو في هذا المجال.

ومن أجل التعملق المالي وطاغوتية المال تقام المصانع والصناعات الضارّة في العالم، ومشاريع التسلح الفتّاك في تسابقٍ مجنون، وكل ذلك مما يعود على البيئة بالفساد لما تبثّه تلك المصانع من سمومٍ تقتل الإنسان والحيوان والزرع، وتخلّ بالتوازن البيئي مما يؤثر على مجمل الحياة ونقاء المياه وسلامة البحار وعطاء الأرض فتضمر الثروة، والحروب الدولية وفي البلد الواحد كلفة عالية تلتهم ثروات الشعوب والأمم على أكثر من بعد.

خذ البحرين مثالاً صغيرًا في هذا المجال، فكم كلّفت المواجهة للحراك الشعبي على سلميته من ميزانية ضخمة وإلى حدّ دفعت السلطة للاعتماد على الخارج في تغذية الموازنة لهذه المواجهة بما تطلّبت من شراء العقول والضمائر وجيوش التجنيس وتوفير المغريات الجاذبة لهم وإقامة السجون واستئجار شبكات العلاقات المكلفة وغير ذلك؟ وانظر كم تسبّبت هذه المواجهة للحراك السلمي من تعطيل لطاقات عاملة منتجة، وأضرّت بحياة عوائل وضيّقت على أرزاق الكثيرين.

لقد دفع الرجل الثمن:

لقد دفع النائب المحترم الثمن لكلمة حقٍ قالها في مجلس النواب بشأن الإساءة في معاملة السجناء، أسقطت عضويته من المجلس النيابي، وكأن هذا المجلس ليس للانتصار للشعب وإنما هو للانتصار لظلم السلطة.

دفع بذلك الثمن، لكن لو كان إسقاط عضوية هذا المجلس تعدّ خسارةً حتى تعدّ ثمنًا لكلمة حقٍ قالها الرجل.

أهكذا سياسة في أرض الإسلام؟

يا سياسة جاهلية جهلاء، لا تبقي على حرمة لنفس، ولا عرض، ولا مال، ولا قرآن، ولا مسجد، ولا بيت، ولا مذهب حق، ولا رجل صالح، وامرأة صالحة، ولا عالم دين، ولا علمٍ يخدم الدين، ولا مؤسسة ساهرة على مصلحته، حريصة على نفع الوطن ووحدة الشعب ووحدة الأمة، أهكذا سياسةٌ في أرض الإسلام؟ أعالم بعد عالم من صالحي علماء الأمة إما يُقبر في السجن أو يُستدعى باسم التحقيق ليتلقّى وجبة غليظة خسيسة من المهانة وإن كانت لا تملك أن تنال من مقامه عند الله سبحانه أو عند المؤمنين أو تفلّ من صموده أو تنال من عزّته الإيمانية على طريق الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وما لهذا العالِم أو ذاك العالم من ذنبٍ إلا أنه قال كلمة حق تنتصر لمظلوم على ظالم؟ وطالب بفك القيد عن مغيّبين من العلماء الصالحين والأحرار؟ أهكذا سياسةٌ في أرض الإسلام؟

أزهقًا زهقًا لأرواح الأبرياء المسالمين بهذه الدرجة البشعة من الحطّة والاستخفاف بحرمة الدم وحياة الإنسان وكرامته من أجل أن لا يُنكر على ظلم ولا يُطالب بحق ولا يرتفع صوتٌ للحرية؟ أهكذا سياسةٌ في أرض الإسلام؟

ثم أين الإرهاب، ومن هو الإرهابي؟ الإرهاب في تشييع شهيد أو قتيل مسلم أو في القتل للمشارك في تشييعه وإمطار المودّعين له إلى مثواه برصاص الموت؟ أين الإرهاب؟ في ذاك الموقف أو في هذا الموقف؟

الإرهابي هو من شارك في تشييع جنازة مؤمن مشاركة سلمية أم أن الإرهابي من قتله عمدًا برصاص غادرٍ حاقد دنيء لينال جائزة من آمر؟

وكم ضاع على يدكِ يا سياسة من حق دمٍ بريء وأخفيتِ قاتله أو برئتيه وكان بدل قتله لضحيته على يدكِ التكريم؟

وكم حُكم بالسجن المؤبد أو الإعدام، وكم عُذّب على يدكِ من بريء باسم الإرهاب؟ أهكذا سياسة باسم الإسلام؟

لأن قيل عن هذه السياسة أنها سياسة، فهي سياسة غابٍ جاهلية مفرطة في الوحشية لا تعرف القيم.

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى