الثلاثاء - 20 ذو القعدة 1440 - 23 يوليو 2019
جديد الموقع
الغريفي خلال افتتاح “الموسم القرآني”: نريد قرآنًا يصنع واقعنا وحراكنا.. ولا نستطيع دون وعي القرآن

الغريفي خلال افتتاح “الموسم القرآني”: نريد قرآنًا يصنع واقعنا وحراكنا.. ولا نستطيع دون وعي القرآن

المهم كيف ننتج تدبّرًا قرآنيًّا يصنع لنا منتجًا عقيديًا وروحيًا وأخلاقيًا وتقوائيًا ورساليًا صحيحًا
الغريفي خلال افتتاح “الموسم القرآني”: نريد قرآنًا يصنع واقعنا وحراكنا.. ولا نستطيع دون وعي القرآن

السنابس – المجلس العلمائي
كلمة سماحة العلامة السيد عبدالله الغريفي بافتتاح الموسم القرآني (3) في البحرين تحت شعار “بالقرآن نتلاحم”، والذي ينظمه المجلس الإسلامي العلمائي بالتعاون مع مجموعة من المؤسسات القرآنية في البحرين، وذلك مساء الجمعة – 16 رجب 1435هـ/16 مايو 2014م – بمأتم السنابس.

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين، وأفضل الصلوات على سيد الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبيّنا وحبيبنا وقائدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين المنتجبين.

السلام عليكم أيها الأحبة في الله، ورحمة الله وبركاته.

اختيارٌ موفّق جدًا أن يكون الموسم القرآني في شهر رجب. قد نتساءل لماذا في شهر رجب؟

لعل ما يؤكّد القيمة لإقامة الموسم القرآني في هذا الشهر العظيم سببان؛ الأول أن شهر رجب هو شهر البعثة النبوية، وفي هذا الشهر نزلت أول آيات الذكر الحكيم، وهي الآيات الأولى من سورة العلق، حينما كان الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) يتعبّد في غار حراء، نزل الوحي حاملاً هذه الآيات.

وإن كان هناك يُطرح إشكال – لست هنا بصدد معالجته -، وهو أن القرآن ينص على أن القرآن نزل في شهر رمضان {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}، وآيات تقول {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} و{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ}. ولمعالجة هذه الإشكالية، ما هو واضح تاريخيًا أن بداية البعثة ووجه المنظور بمنظور مدرسة أهل البيت (ع) هو في شهر رجب، وهذا يعني أن الآيات الأولى نزلت في شهر رجب، إلا أنه الثابت تاريخيًا أنه بعد نزول هذه الآيات القرآنية الأولى من سورة العلق توقف نزول القرآن، ونُبّئ النبي وأمر بأن يحمل رسالته سرًا، ولم يؤمر بأن يصدع بالرسالة إلا بعد ثلاث سنوات، حينما نزل قوله تعالى {اصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ}. بعد ثلاث سنوات بدأ نزول القرآن ككتاب سماوي بشكل مستمر، بعد أن توقف النزول بعد نزول الآيات الأولى.

إذًا الآيات الأولى نزلت في شهر رجب، أما القرآن ككتاب سماوي فانطلق بشكل واسع في شهر رمضان، ويبقى شهر رجب هو البداية لانطلاقة القرآن، ومن هنا تكون القيمة بأن يكون شهر رجب موسم للقرآن.

ثانيًا: يبدأ بشهر رجب أشهر هي أشهر فيوضات ربّانية (رجب، شعبان، شهر رمضان)، هذه أغنى الأشهر بالفيوضات الربّانيّة وهذا يعني أننا بحاجة إلى استنطاق القرآن وتوظيف القرآن في هذه الأشهر الربانيّة العظيمة، بدءًا من شهر رجب وانتهاءً بشهر رمضان وتهيئةً إلى شهر الحج، ومن هنا تأتي القيمة الكبيرة حينما يبدأ موسم القرآن في شهرٍ هو أحد الأشهر الغنية بالفيوضات الربانية الكبيرة والكبيرة جدًا، مما يعني نحن بحاجة أن نستثمر ونستنفر هذه الفيوضات الربانيّة من خلال القرآن.

لا يوجد مصدر أقدر على أن يستنفر الفيوضات الربانية في هذه الأشهر الربانيّة أكبر من القرآن، القرآن هو الأقدر وهو الأغنى بأدوات الاستنفار والتوظيف للفيوضات الربانية الرحمانية الإلهية في هذه الأشهر، ومن هنا احتجنا إلى أن ينطلق مشروع أو موسم قرآني يهدف إلى إعطاء القرآن حضوره الحقيقي في استنفار هذه الفيوضات الربانية.

يبقى السؤال المطروح: ما هي وظيفة هذا الموسم القرآني؟

ليس مجرد احتفالية أو احتفال أو منتدى أو ملتقى أو مؤتمر، المسألة أكبر. القرآن هو حضور في كل الواقع، كل واقع الإنسان المؤمن، كل الحياة، كل الوجود، كل الكون، نحن حينما نحتفي بالقرآن لا نحتفي به احتفائية ذات بعد مؤطّر بزمانٍ أو مكان.

المطلوب من الموسم القرآني هو أن ينطلق بمنتجات القرآن في كل الواقع، ليس في الموسم القرآني، كيف ننطلق؟ ماهي المنتجات المطلوبة لهذا الموسم القرآني؟ مطلوب أولاً، ثانيًا، ثالثًا، رابعًا، خامسًا، سادسًا.

بشكل خطوط عامّة، مطلوب من هذا الموسم – ولعل إن شاء الله في برامج هذ الموسم ما يغطّي هذه الحاجات والأهداف الأساسية للموسم -، ولكن للتذكير أن المنتجات المطلوبة من الموسم وهي منتجات القرآن:

أولاً: مطلوب منتج عقيدي..

لا يوجد مصدر أغنى في صنع العقيدة من القرآن.

كم هو حضور القرآن في صنع العقيدة في واقع الأمة؟

هذا ما يجب أن يُفكّر فيه ويُمنهج له، ويُبرمج له، القرآن هو المصدر، هو الأساس، هو المرتكز لبناء الحالة العقيدية، بدءًا من التوحيد وانتهاءً بكل مفردات العقيدة تؤخذ من القرآن، صحيح أن السنة مرشدة إلى بعض المفردات التفصيلية، ولكن يبقى القرآن هو المرتكز والأساس والمصدر والطاقة التي تصنع القوة العقيدية.

فكم وظّفنا القرآن في صنع المضمون العقيدي الأصيل؟

قد نختلف على حديث هنا أو حديث هناك، ولكن القرآن لا نختلف عليه، فنحن بحاجة إلى أن نصوغ المضمون العقيدي لنا ولأجيالنا ولأمتنا ولواقعنا من خلال القرآن، وهذا يعني أن لا بد من تحريك مجموعة مفردات في بناء المضمون العقيدي انطلاقًا من التوحيد، والتوحيد هو المرتكز الأساس لصنع الكينونة البشرية المنتمية إلى الله.

يوم يحدث خلل في مرتكز التوحيد، يحدث الخلل في كل البناء، ومن هنا يجب أن نوظف القرآن في إنتاج المضمون العقيدي الأصيل، عبر مفردات وبرامج، ولكن يجب أن يكون واضحًا أننا نصنع عقيدة من منتجات القرآن وليس من منتجات الهوى، ويجب أن نلمس حضورًا عقيديًا للقرآن في مختلف مواقعنا وبرامجنا وأنشطتنا، ولا بدّ أن نحضّر المضمون العقيدي لدور القرآن.

ثانيًا: المنتج الروحي..

أغنى مصدر في التعبئة الروحية هو القرآن، لا يوجد مصدر آخر يملك قوة المصدر القرآني، صحيح أن الحديث النبوي وأحاديث الأئمة هي أيضًا مصادر للتعبئة الروحية، ولكن يبقى القرآن هو المصدر الأول والأغنى والأقوى في إنتاج الواقع والمضمون الروحي.

أجيالنا في حاجة كلّ الحاجة للطاقة الروحية والمضمون والمحتوى الروحي، ولكن كيف نوظف القرآن؟

هي مسؤولية الموسم القرآني والقائمين على الشؤون القرآنية، وكيف يوظفون القرآن في إنتاج الحالة الروحية في واقع الأمة من خلال برامج ودروس ومجموعة صياغات ومفردات معيّنة، المهم أن لدينا هدف وهو إنتاج المضمون الروحي، وهذا المنتج الروحي هو أهم وأبرز المعطيات التي يجب أن يتحرّك من خلالها القرآن.

ثالثًا: المنتج الأخلاقي ..

خُلُق القرآن، كيف نستطيع أن ننشر الخلق القرآني؟ بحيث نقول أن هذا خُلُق القرآن وهذه أخلاق القرآن؟

كيف نصنع جيلاً يحمل أخلاق القرآن؟

وكيف نصنع أسرة تحمل أخلاق القرآن؟

وكيف نصنع مجتمعًا يحمل أخلاق القرآن؟

وكيف نصنع مؤسسات تحمل أخلاق القرآن؟

وكيف نصنع حركات تحمل أخلاق القرآن؟

عنوان الخُلُق القرآني لا بدّ أن يتحرّك بكل مضامينه وتفصيلاته ومكوّناته وأسسه، وهذه مسألة في منتهى الخطورة، المسألة الأخلاقية تشكل تحدّيًّا صعبًا اليوم، خاصّة أننا في عصر بدأت تيارات المسخ الأخلاقي تحاول الهيمنة على كل كينونة هذا الواقع. فأمام تيارات ماسخة لأخلاقية الأمة نحتاج إلى حراك قرآني يملك زخمًا قويًّا، بحيث يواجه تحديات المسخ الأخلاقي والانحرافي، نحن بحاجة إلى صوغ أخلاقي قرآني.

رابعًا: المنتج التقوائي..

وهذا هو الأساس الأكبر في كل المضمون الثقافي والخطابي والديني وإنتاج الإنسان المتّقي، الإنسان الذي يعيش الارتباط بالله في كل مفردات حياته. التقوى تعني انضباطًا، تعني سلوكًا، تعني ارتباطًا بالله على مستوى العقل والواجدان والمشاعر والأخلاق والسلوك والعبادة.

التقوى لا تتجزّأ؛ ليس متقيًا من يصلّي ولا يملك تقوى في علاقاته المالية، ليس متّقيًا من يصوم ولا يتّقي في علاقاته السياسية، التقوى حالة متحركة في كل مفردات الواقع.

ماهو دور القرآن في صنع التقوى؟ هنا الدور المركزي للقرآن والدور الأساس.

كيف نحرّك ونوظف القرآن في إنتاج المحتوى التقوائي في واقع الأمة؟

على مستوى الفرد، على مستوى الأسرة، على مستوى المجتمع، على مستوى الكينونات البشرية، على مستوى الجمعيات والمؤسسات؟

ولذلك المضمون والنص القرآني يركز على التقوى في صنع الإنسان، هنا يجب أن نوظف، وهي مسؤولية موسم وجمعيات قرآنية.

وكيف نعطي للقرآن دوره في إنتاج التقوى وفي صنع التقوى، وفي حراسة التقوى، وفي تقويم التقوى؟

القرآن فيه ضوابط، فيه مرتكزات، وفيه توجيهات، فيه خطابات، لو نفكّكها تكون صالحة لأن تصنع منتجًا تقوائيًّا بالمستوى الذي يريده القرآن وليس بالمستوى الذي تريده مزاجاتنا ورؤانا، فالقران واضحٌ أسسه ومرتكزاته التقوائية.

نحن نريد قرآنًا يصنع ويتحرّك وليس قرآنًا يُقرأ فقط، ولا قرآنًا يُتلى، ولا قرآنًا يُدرّس، كل هذا مهم أن نقرأ وندرس، ولكن نريد قرآنًا يصنع واقعنا، يصنع حراكنا، والتقوى هي المنتج الأساسي للقرآن.

خامسًا: المنتج الرسالي..

القرآن هو منطلق الحراك الرسالي، بدءًا بحركة الأنبياء وانتهاءً بكل حركة تهدف إلى ربط الإنسان بالله، حركة تربط الحياة بالله، حركة تربط الإنسان بالرسالة، حركة تربط الإنسان بالأنبياء، حركة الإنسان باليوم الآخر.

كم نحن نتحرّك لأن نربط الناس برسالة الله؟

القرآن هو الصانع للحراك الرسالي من خلال ما حمله القرآن من دور الأنبياء ورسالة الأنبياء.

كم استحضرنا دور الأنبياء؟ وكم استحضرنا دور الرُّسُل كما سجّلها القرآن بكثافة؟

ولأنه يريد أن يصنع حياة مرتبطة برسالة الله، ويريد أن يصنع أناسًا يعيشون خط الأنبياء، وما يؤكّد عليه القرآن من ربط الأمة، الأجيال، التاريخ، الإنسان، كل الوجود، وربطه برسالة ورُسُل يربطون الحياة والإنسان وكل هذا الكون بمسيرة هي الارتباط بالواحد الأحد.

كم استطعنا أن نوظف هذا المخزون القرآني، والخطاب القرآني، والتوجيه القرآني في صنع الواقع الرسالي في حركة الأمة؟

قد نصنع عقلًا، قد نصنع عواطف، قد نصنع أخلاقًا، قد نصنع حتى تقوى على مستوى الفرد، ولكن هل صنعنا حراكًا؟ هل صنعنا رسالة؟ هل صنعنا جهادًا؟ هل صنعنا دعوة؟ هل صنعنا أمرًا بمعروف ونهيًا عن منكر؟ هذه مفردات مفصلية ومركزيّة في القرآن، كيف نحرّك هذه العناوين عبر القرآن والمنهج القرآني، وعبر مدرسة القرآن؟

سادسًا: المنتج الثقافي ..

كل هذه المنتجات تحتاج إلى منتج سادس وهو المنتج الثقافي، وهو وعي القرآن. أنا لا أستطيع أن أصنع منتجًا عقيديًا إذا لم أملك وعيًا قرآنيًّا، لا أستطيع أن أصنع منتجًا روحيّا إذا لم أملك وعيًا قرآنيًّا، لا أستطيع أن أصنع منتجًا أخلاقيًّا ومنتجًا تقوائيًّا ومنتجًا رساليًّا إذا لم يوجد وعي وبصيرة قرآنية، ومن هنا يأتي دور المنتج الثقافي الفكري الذي يصنع وعي القرآن.

أحيانًا يوجد وعي بضرورة الارتباط بالقرآن، ووعي بضرورة استيعاب مضامين القرآن، وهنا يأتي دور التأمل والتدبّر القرآني.

كيف نحوّل التدبر إلى مشروع يُنتج وعيًا قرآنيًّا؟

كيف نحرّك مضمون التدبّر القرآني بحيث يتحوّل إلى منتج عملي يصوغ عقل أجيالنا وحراكنا وواقعنا؟

قد يغيب وقد تنحرف بقية المنتجات إذا لم يُصحّح المنتج الثقافي.

قد نُنتج أو نحدث منتجًا عقيديًّا ولكنه منحرف، لأنه انحرف بفهم القرآن.

وقد ننتج منتجًا روحيًا لكنه منحرف لأنه انحرف بوعي القرآن.

وكذا التقوى القرآنية، قد تنحرف إذا انحرف وعي القرآن.

ومن هنا، كانت القيمة كل القيمة أن نحصّن وعي القرآن، والأسس وضعت ووجد ربط القرآن بالعترة، ووجد ربط القرآن بتوجيهات الرسول (ص) والرسالة، وإلا قد ينفلت القرآن وتنفلت مفاهيمه. هناك أسس عقلية ولغوية وضوابط للتدبّر القرآني، ولكن المهم كيف ننتج تدبّرًا قرآنيًّا يصنع لنا منتجًا عقيديًا صحيحًا، ومُنتجًا روحيًا صحيحًا، ومنتجًا أخلاقيًا صحيحًا، ومُنتجًا تقوائيًا صحيحًا، ومنتجًا رساليًا صحيحًا.

وهنا يأتي دور التدبّر، ودور الموسم، ودور الجمعيات، ودور كل المشروع القرآني في صياغة التدبّر القرآني المتحرّك، الذي يصوغ لنا هذا الواقع القرآني.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى