الثلاثاء - 20 ذو القعدة 1440 - 23 يوليو 2019
جديد الموقع
آية الله قاسم: التعدِّي المتواصل على مقام صعصعة إصرارٌ على محو تاريخ البلد

آية الله قاسم: التعدِّي المتواصل على مقام صعصعة إصرارٌ على محو تاريخ البلد

الخطبة الثانية لصلاة الجمعة | 2 رجب 1435هـ – 2 مايو 2014م | جامع الإمام الصادق (ع) بالدراز

أولًا: مواليد الأطهار (عليهم السلام)

شهر رجب من الشّهور المخصوصة بالفضل، وقد شَهِدَ مولد عدد من الأئمة الأطهار (عليهم السلام) مما يجعله ثرًّا بإشعاعات النّور والهداية والعطاء الروحيّ والإيمانيّ، وموسمًا من مواسم الازدياد في النّشاط العلميّ والمعرفيّ، وبيئةً ثرية الخصوصة بالتربية العامّة الصالحة.

وهو موسم كذلك من مواسم العبادة المكثّفة والذكر الإلهي الملهم الصنّاع للنفوس، الصناعة التي تزكو بها الحياة، ويحسن المنقلب.

رجب الأصبّ فيه كما في تاريخ مواليد الأئمة (عليهم السلام) ولادة الإمام الباقر والهادي والجواد وأمير المؤمنين عليهم السلام جميعًا.

وبهذه المناسبات السعيدة نقف وقفة يسيرة جدًّا مع إنارتين:

الأولىك عن الإمام الباقر (عليه السلام) حيث جاءت عنه هذه الكلمة لعمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي المعروف: “الدّنيا سوق من الأسواق”[1]. ونحن نعرف أن بضائع هذه السوق متنوّعة، وعروضها متعدّدة منها ما هو للبدن وشهواته، ومنها ما هو للعقل وتأمُّلاته، ومنها ما هو للرّوح وتيقّظاتها. والداخل لهذه السوق يحتاج إلى عقل ووعي ونباهة وتفكّر وتأمّل وحسن اختيار ورفعة نفس وسداد رأي وتطلُّع روح.

ومن تعامل معها مغلوبًا لشهوات جسده ونزواته وانخداعه بالألوان والمظاهر خرج منها بأسوأ ما يخرج منها إنسان، وتخرَّج على يدها حيوانًا فاقدًا لإنسانيته وكرامته.

والإنارة الثانية: قد وردت عن الإمام الهادي (عليه السلام) في هذه الكلمة: “وما دعا محمد صلّى الله عليه وآله إلّا إلى الله وحده لا شريك له، كذلك نحن الأوصياء من وُلده عبيد لله لا نشرك به شيئا، وإن أطعناه رحمنا، وإن عصيناه عذّبنا ما لنا على الله من حجّة بل الحجّة لله علينا وعلى جميع خلقه”[2].

فظلم للأئمة (عليهم السلام) وهم أوصياء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والقائمون مقامه بعد رحيله إلى جوار ربّه في الإمامة للأمة والبشرية جمعاء دينًا ودنيا أن يُقدَّم عليهم أو يُساوى بهم في الإمامة ومقوماتها أحد، ومن التجاوز بهم والذي لعنوا عليه من لعنوا، وتبرّأوا ممن تبرّأوا[3] أن ينزّلهم منزلة الربوبية أو يُضفي عليهم صفة من صفاتها أحد.

وإنهم إنما صاروا قِمّةً لا يعلو علوّها ولا يبلغها أحد لأنَّ معرفتهم بالله عزّ وجلّ، وطاعتهم له وعبادتهم له، وتوحيدهم التوحيد الصادق لا يبلغها عارِفٌ، ولا تتحقّق في النّاس من أحد جَمَعه معهم زمان واحد أو جاء من بعدهم في الزمان[4].

ثانيًا: ما شرط أن تعيش؟

في رأي حكومات ظالمة في الأرض، وسياسات طاغوتية شرطُ أن تعيش أنت الإنسان على الأرض التي وُلِدت فيها، وكان قد وُلِدَتْ عليها السلسلة الطويلة من أجدادك، وتربّيت عليها منذ نعومة أظفارك، ولم تعرف لك وطنًا غيرها، وشرط أن ينال الإنسان حقوقه المقررة له دينيًّا وإنسانيًّا ووطنيًّا، وعقلائيًّا، وعرفًا عالميًّا في الأرض التي هي مهدُك ومهد أجدادك أن يتمّ التنازل منك ومن أيّ إنسان مماثل عن دينك وحقوقك منّةً وإحسانًا، أن يكون الإنسان حيوانًا بلا حقوق مطلقًا ولا كرامة.. ألّا يرتفع له صوت مناديًا بالحق والتغيير والإصلاح.. أن يرضى بالذلّ والهوان، وبأخسِّ مستوى للعيش وأحطّه وأردأه.. أن يسكت على أنواع الانتهاك للدّين والقيم والأخلاق الكريمة.. أن يرى الظلم يعبث في الأرض فسادًا فيسكت أمامه بل يضحك له.. أن يتخلّى عن كلِّ صلة إنسانية وعلمية ودينية لا ترتضيها السياسة وتدخل السياسة وسوسة منها.. ألّا تكون له أيّ مرجعية ولو في أمر من أمور الدين غيرُ مرجعية هذه السياسة.. أن يكفر بكلّ قيمة ما لم تكن في خدمة هذه السياسة.. أن يقبل بطش هذه السياسة، أن يحسِّن قبيحها، ويقبّح حسن كل من وما خالفها من شيء.. أن يكون رهن الأمر، أو الإشارة من هذه السياسة[5].

كل ذلك مطلوب منه وعليه أن يدفعه ثمنًا في غير تبرّم ولا تضجُّر لأن يعترف له بحق العيش أخسّ عيش وأحطّ عيش في وطنه وأرضه وأرض أجداده.

أيُّ وطن هذا؟[6] وأيّ إنسانية هذه التي تقبل كل ها الإذلال وهذه التبعية البهيمية الرخيصة؟ أعلى المنازل في جنة الخلد لم يُجعل ثمنها هذا الثمن الباهظ الخيال.

أهذه شروط يتفوّه بها عاقل، وتُطرح من إنسان على إنسان؟

نعم هذه هي الشروط التي تمارس طرحها عمليًّا وبكلّ قوة وبصراحة أوضح من كل بيان وكل مقالة سياسة الظلم والطغيان في أي مكان رسّخت فيه وجودها القاتل.

ماذا يرى الرائي أهذا أشدّ بهيميّة وعدوانية وتعسّفًا وغرورًا أم ما تشترطه إسرائيل على السلطة في الضفة من فلسطين حتّى تقبل إسرائيل أن تدخل معها في التفاوض اللعبة والذي يتيح لإسرائيل نفسها تنفيذ خططها التوسعية الخبيثة براحة تامّة بشرط أن تتخلّى هذه السلطة عن إخوتها في غزّة بأخوّة الدّين والدّم والجهاد والمصير، وأن تأتي صاغرةً بعد ذلك لتلقّي الإذلال من إسرائيل في مفاوضات عبثية لو كان لها مردود فإنما يُراد أن يكون كلّه لإسرائيل وراعية مصلحتها.

الشرطان من واد واحد، ويتنافسان في الخِسّة والدونيّة والحقارة، وينطلقان من روح واحدة بغيضة هي روح الاستكبار والاستعلاء والمنافاة الكاملة للحقّ وإنسانية الإنسان.

ثالثًا: إلّا الدكتاتورية

ما يقوله عدد من الأنظمة الحاكمة في المنطقة العربية بأنه لا دين، لا ديموقراطية، لا أيَّ شيء آخر في مجال الحكم والسياسة إلّا الدكتاتورية. تقول هذه الأنظمة لا لأي شيء، نعم للديكتاتورية. ولا شيء أبدًا مما يمسُّها. وكل شيء وكل قدرات الوطن، وكل السلاح والجند والمخابرات ومجالس التشريع والقضاء ومختلف أجهزة الدولة ومخططاتها وعلاقاتها ومؤسساتها وميزانيتها لحماية الديكتاتورية.

وكل شيء مباح وإن كان أحرم محرَّم، وأبشعَ بشعٍ للحفاظ على الدكتاتورية.

ومرحبًا بكلّ شيء جديد وبكل مخالفة شرعية وبكلّ مستورد ساقط، وخُلُقٍ متفسّخ لا يمسُّ الديكتاتورية وخاصة إذا كان في خدمتها.

تُقام تحالفات ومعاهدات تعاون لإجهاض أي بادرة تطلع برأسها في صالح الديموقراطية، وتُشَنُّ الحروب المشتركة لتركيز الديكتاتورية وحماية الديكتاتورية.

ويُنكّل بأيّ شعب أشدَّ التنكيل ويحارب محاربة لا رحمة فيها من محيطه الإقليمي والعربي العام على مستواه الرسمي إذا ارتفع له صوت ينادي بالديموقراطية.

هناك مقدّس واحد مقدّم على كلّ مقدّس لو قُدِّر لغيره شيء من التقديس وهو الديكتاتورية.

وخائن للوطن، ناقض للأمانة، متخلّ عن دينه، ساقط في إنسانيته، مبيح لكل حرماته من رفع صوتًا ضدّ الديكتاتورية[7].

لا عهد ولا ذمّة ولا حرمة ولا حقّ، ولا وطن لمن ناهض الديكتاتورية، ومنبوذ من لم يتعاون مع الديكتاتورية.

أعان الله شعوب الأمة وهي تتّجه للتحرّر من الديكتاتورية، وتصرّ بكل شدة على هذا التحرّر.

رابعًا: ما ذنب صعصعة؟

ما ذنب صعصعة بن صوحان العبدي الرجل الصالح المجاهد في سبيل الله؟ ما ذنب مقامه؟ لا الرجل ولا مقامه اليوم يقوم بدور مضادٍّ للسياسة القائمة في هذه الأرض والتي تعتبر كلمة الحقّ في وجهها من أنكر المنكرات وأبشع الجرائم.

المقام مضروب عليه سياج من الحظر الأمني الذي عزل عنه روَّاده، وأبقاه مبنى متواضعًا صامتًا لا ينطلق منه ذكر ولا تلاوة.

لكن بقي استهدافه والتعدّي عليه، والغارة بعد الغارة التي تُشنّ ضدَّه أمرًا مستمرًّا متواصلًا.

كأن الإصرار لا بدّ أن لا يبقى للمقام أثرًا، ألّا يبقى لصاحبه ذكر في تاريخ البلد، أن تُحمى شهادة هذا المقام بتعفية كلّ أثر من آثاره ومن كل ما يذكّر به وبصاحبه.

إنَّ وجوده نفسه ذنب وإثم وضرر بالغ، فلا يصحّ له بقاء.

إنَّ للسياسة نظرات ونظرات وأهداف وأهداف لا بدّ لها من بلوغها وإن كان على حساب الدين، وأمانة التاريخ، وحقائق الواقع، وقيمة الأحياء، وحرمة الأموات كذلك.

ولكن الشعوب اليوم على تنبُّه كافٍ لكل ذلك، وهي غير مستعدة لأن تخون دينها، وتقبل تزوير تاريخها، ونسيان أمجادها وأبطالها ورموزها.

خامسًا: الشهيد العبّار (رحمه الله) وتخيير السلطة

تقول السلطة إما أن تدفنوا جريمة قتل الشهيد العبّار وتقبرونها كإقبار جسده أو أشدّ، وتبرّئوا السلطة ومأموريها من دمه براءة الذئب من دم يوسف (عليه السلام)، وإمَّا أن يُحرَم الرجل المؤمن حقَّ مواراة جسده وإجراء مراسيم الموتى عليه، وتكون الثلاجة قبره.

ولكن كيف تُدفن جريمة واضحة للعيان الدفنَ الذي يُنسيها، ويُعفي عن القاتل عقوبةَ ارتكابها بحيث لا يُطالِب بها مطالب؟!

وأخيرًا إنه الظلم الذي ينال شهداء الشعب قبل الشّهادة وبعدها، ويُلِحّ على الشعب كل الإلحاح بالمطالبة بالتغيير والإصلاح وإن ثقُلَ الثمن.

ما أشدّ ما يناله أبناء هذا الشعب من ظلم السلطة، أشبابُ يُسجن حتى القتل، وشباب من بعد قتله يُصار به إلى الثلاجات التي هي السجون؟![8]

سادسًا: سجناء تحت العذاب

كلما ذكرت التقارير الحقوقيّة تعذيب السجناء والموقوفين كلما قابل ذلك إنكارٌ من السلطة. فماذا عمّا حدث من ضرب وكسر وجرح وسبّ وشتم وألوان إهانة لسجناء جو الأشراف؟!

ما كان بالوسع أن يُدفن خبره وواقعه تحت الرمال، وهنا لا بدّ أن يأتي التبرير لما لا يُقرّه دين أو قانون ولا يقبل به عرف سليم، وأيّ قتل ظلمًا وأيّ بشاعة ترتكبها قوات الأمن وأجهزة من أجهزة السلطة، وتصدر بها الأوامر لا يكون نصيبها إلا الإنكار من قبل السلطة، أو التمسُّك بعذر وهمي مختلق لتبريرها؟! وكم من دم ضاع لأبناء الشّعب، وكم من روح أُزهِقت على يد قوات السلطة وأُزهق حق القصاص العادل لها؟! شعبٌ لا حدّ للظلم الذي يقع عليه، ولا حدّ لإصراره على حقّه، والصبر الذي يتحلّى به الذي لا ينفذ لديه.

———————————————————–

[1] الخصال للشيخ الصدوق، ص104.

[2] بحار الأنوار، ج25، ص316، ط 3 المصحّحة.

هكذا يُقدّم الأئمة (عليهم السلام) أنفسهم لنا، فلا نُغيِّر.

[3] وهذه الكلمة من الإمام (عليه السلام) حملت معها براءة ممن غلا فيهم.

[4] فلنعرف أئمتنا (عليهم السلام)، ولنأخذ بما قالوا، ولنتّبع ما أمروا.

[5] هتاف جموع المصلّين: هيهات منّا الذلّة.

[6] الذي يشترط في حقّ البقاء فيه لمواطنه كل هذه الشروط؟! أيّ وطن هذا؟!

[7] هتاف جموع المصلّين: لن نركع إلا لله.

[8] هتاف جموع المصلّين: بالروح بالدم نفديك يا شهيد.

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى