الثلاثاء - 20 ذو القعدة 1440 - 23 يوليو 2019
جديد الموقع
آية الله قاسم: حبّ الإسلام وحبّ رموزه لا يتناسب معه إلا المسلك القويم وتحليق الذات في الأفق الرفيع

آية الله قاسم: حبّ الإسلام وحبّ رموزه لا يتناسب معه إلا المسلك القويم وتحليق الذات في الأفق الرفيع

خطبة الجمعة الثانية | 11 جمادى الثانية 1435هـ – 11 أبريل 2014م | جامع الإمام الصادق (ع) بالدراز

أما بعد أيها الأحبة في الله فإلى موضوعات ثلاثة:

مولد فاطمة الصديقة الطاهرة عليها السلام:
فاطمة عليها السلام حوراء إنسية، هي واحدة من نساء هذا العالم الكبير ولكنها بإنسانيتها متميزةٌ من بين نسائه، إنسانيةٌ غزيرة، ومواهب عالية، وطهرٌ مثال، ونورانيةٌ مشعّة، وإيمانٌ وهّاج هو سر كل ذلك، وقلبٌ عارف هو سر كمالها عليها السلام، ونفسٌ لا يمسها الشيطان، وروحٌ غنية بذكر الله، وعملٌ صالح، ولسان يُتعلّم منه العفة، وتتدفق منه الحكمة، وتتفايض منه المعارف الكريمة والعلم المنير، وهي خلقٌ قرآني جذّاب، وسيرةٌ من سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.. ومدرسة حياة، فهي بذلك كله حوراء في عالم الإنسان.

ولا يقوم إنسان إلا بمثل لفاطمةَ عليها السلام من جمالِ معنىً وكمال، ونزاهةٍ وجلال، ولا سبق لأحدٍ عند الله سبحانه إلا بما سبقت به فاطمة عليها السلام من كل هذا الزاد الكريم بلايين من هذا العالم من نساءٍ ورجال.

ولنا أمة الإسلام مع الإسلام ورموزه العالية النموذجية والمتمثلة في أعلى قمتها في المعصومين عليهم السلام، ومنها الصديقة الطاهرة، مشكلتان:

أولاهما: فهم الإسلام ورموزه، فهو فهم يعاني من تخلف ونقص، وغموض وبخس من بعض، وغلوٍ وتزّيد من بعض آخر. ومن حق الإسلام ورموزه على الأمة أن يُفهم الإسلام كما هو وأن تفهم رموزه كما هم الفهم الصحيح من غير نقصٍ ولا زيادةٍ فيها غلو، وبرغم فداحة هذه المشكلة إلا أن المشكلة الأكثر فداحةً أننا لا نملك الإرادة الجادّة للارتفاع بمستوانا في أبعاده المختلفة إلى ما يقرب منّا إلى ما يريده الإسلام وما تريده رموزه العالية لنرقى وتصلُح كل أوضاعنا. نعاني كثيراً جداً في هذا الجانب من كسلٍ وانهزامية شنيعة أمام ضعف النفس وأمانيها الدنيوية وهواجسها وشهواتها والمستورد من الفكر والمستورد من الشعور والمستورد من السلوك.

نحن مسجونون لحب الأرض والإنكباب عليها ولا نتحرر في كل أبعاد حياتنا إلا بأن تنتفض إرادة الخير فينا وتأخذ بنا باتجاه الإسلام ورموزه.

عندنا حبٌ باردٌ للإسلام وقدواته العالية لا حرارة فيه ولا دفئ، لا يحرّك عملياً، ولا يصحح واقعاً وهو غير ما يتطلّبه صدق الإنسان في النفس وصدق الاقتداء لمن أمر الله عز وجل بالاقتداء بهم من حُب ما عمرت به نفسٌ إلا ونشطت في الخير واندفعت الاندفاعة القوية المتصلة على طريقه في منأىً ثابتٍ عن الشرّ، ومأمنٍ حصين من الفساد والسقوط.

حبُ الإسلام، وحبُ رموزه، ومنهم فاطمة الطاهرة عليها السلام، حبُ العظمة والعظماء الذي لا يتناسب معه إلا المسلك القويم والسيرة العطرة وتحليق الذات في الأفق الرفيع.

تتحدّث نساءٌ كثيراتٌ من نساء الأمة، ورجال كثيرون من رجالها عن لزوم نهضة المرأة وحقوقها وتحرّرها وكرامتها، والصحيح أن لابد للمرأة أن تتحدّث عن ذلك وتطلبه وتطالب به، وأن للرجل وهو أخٌ لها أن يدفع بحركتها في هذا الاتجاه وعليه أن ينصفها ولا كلام في ذلك ولا تردد عند من يفهم الإسلام وتكريمه للإنسان رجلاً أو امرأة، وأن إهانة الإنسان تستوي بإهانة الرجل أو المرأة.

ولكن ما هي النهضة؟ ما هو التحرر؟ ما هي الكرامة؟ ما هو الإنصاف الذي تطلبه المرأة ونطالب به وعلى الرجل أن يعينها على ذلك ويطلبه لها؟ أهو ما تراه الجاهلية الغربية أو الشرقية أو المحلية من داخل الأمة؟ أو ما اختاره سبحانه لعباده من ذلك، ودلّ عليه دينه، وتضمنته وتكفلّت به شريعته.

صالحُ هذه الأمة والصالحات منها، لا يختارون إلا ما اختار لهم الله، ولا يرون إلا ما يرى دينه، ولا يختار رجلٌ رشيد، أو امرأة رشيدة لأيٍ من الناس فضلاً عن نساء هذه الأمة ورجالها، وشاباتها وشبابها غير ما اختاره لهم الخالق المالك العليم الحكيم الرؤوف الرحيم. وأي رجلٍ وأي امرأةٍ وأي شابٍ أو شابة يقدّم ما كان عليه أعلى ما كان عليه قدوات هذه الأمة ومن هم أصدق الناس صدقاً، والإيمان إيماناً، والعلم بالإسلام علماً وإحاطة، وألزمُ الناس بالتقوى.. مَن يقدّم على كلام هؤلاء ونصيحة هؤلاء؟ أو من لا يقدّم كلام هؤلاء ونصيحة هؤلاء على قول كافرٍ أو فاجرٍ أو فاسقٍ عربيدٍ هنا أو هناك من أبناء الدنيا كلّها؟.. وأبقى مؤمناً حين أقدّم قول الكافر على قول الله؟

ومعروفاً ما يريده الإسلام من الرجل والمرأة، وما تريده منهم الحضارة المادية المهترئة، فسوقٍ ومجون وتبذّل وفحش وحيوانية وسقوط. [1]

خطواتٌ يسيرة في إتجاه فاطمة الطهر والقدوة المثال:

تصحيح قضية اللباس عند الفتاة والأخذ بالحشمة فيه، والتوقف عن متابعة الموضة الساقطة، وهذه مسؤولية الفتاة وأمها وأبيها وأي قريبٍ مؤثر والوسط المؤمن العام. والبداية من لباس الصبيّة وقبل سنّ البلوغ.

الإقلاع الفوري عن هذا الإنحراف الخطير فيما يسمى بحفلات الخطوبة وما شابهها – لا أتحدث عن أصل حفل الخطوبة وإنما أتحدث عن أحوال هذا الحفل في بعض صوره – وكيف لنا أن ندّعي الإيمان وأننا من أتباع الرسول “صلى الله عليه وآله” والمتعلّقين بشخصية فاطمة عليها السلام، والصادقين في حبها، وحفلاتنا تشهد ما تشهد من مخالفات شرعية كأن تصرّ الفتاة على أن يدخل خطيبها جمع النساء في حفل الخطوبة بمن فيهن من متبرجات ومتزيّنات ومعريات لمواضع الزينة في الجو الضاحك المثير وأن يكون معها على المنصة يبادلها القبلات أمام الصبيّات واليافعات ومختلف الأعمار، وتبقى مصرّة على زوجها بذلك مهددةً له بالطلاق الفوري وكأن الطلاق بيدها، فأين هذا من الإسلام ومن سيرة الزهراء فاطمة عليها السلام، والمخاطبة هنا ليست الفتاة المخطوبة فقط، المخاطب الأب، المخاطب الأم، المخاطب الأهل، المخاطب المجتمع..

يجري هذا بمباركة الأسرتين المؤمنتين، أسرة الزوج والزوجة، وعددٍ من الأقارب، أو السكوت على هذا التصرّف من الزوج أو الزوجة أو كليهما – موقف السكوت من الأب، من الأم، من الأقارب، من الحاضرين، كل أولائك مشاركون في الإثم وفي هدم الإسلام.. تبدأ القضية بإنحراف سلوكي لتنتهي إلى انجراف كامل عن الإسلام -.

عقدتما يا زوج ويا زوجة عقد الزواج على كتاب الله وسنة رسوله “صلى الله عليه وآله” طالبين فيه البركة من الله، والذرية الصالحة، وهذه أول الخطوات بعده وكأنكما تهزئان بكتاب الله عزّ وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وآله..

نريد لمجتمعنا المؤمن هذه الخطوات اليسيرة وتصحيح هذه الانحراف على أقل تقدير ليستمر عنده مسار التصحيح والتراجع عن كل ما نعيشه من انحرافات.

ومسألة خطيرة أخرى تركها للتفاقم فيه هدم للمجتمع وفساد كبير في النفس، وهي مسألة كثرة الطلاق.. والإسراع فيه لسبب مقبولٍ وغير سبب، ووراء هذه المسألة ما ورائها من أسباب، والتخلّص من خطر هذه الظاهرة يحتاج إلى استحضار الدين والضمير الحي والوعي والحكمة والتدبّر في المصير، وإلى درجة كافية من الأخلاق العامة في المجتمع والخاصة بالأفراد واحترام إنسانية الإنسان.

رجلُ السباق البارز:

إنه ليس سباقاً من السباق الرخيص، إنه سباقُ عالم الفكر المُحلّق، وصفاء الروح والإيمان الحقّ، والوعي والعلم والخبرة الواسعة، والإرادة الكريمة، والدور الجهادي، والهمم العالية، والضمير الحي.. إنه سباقٌ على طريق الله إلى الرفعة والكمال.

أما الرجل فهو الشهيد الصدر الأول في عصرنا أعلى الله مكانه. كانت كل معاركه من معارك الشرف حيث دوره فيها، كانت معاركه من أجل الله، بعيدةً عن الساحة التي يتصارع فيها الملايين، وحتى كبارٌ منهم.. هذا ما دلّت عليه سيرته، ما دلّ عليه نضجه، وعيه، خُلقه، أبى الرجل الكبير أن يدخل معارك الطين والأرض وحلبة الصراع والتنافس والسباق على المناصب والشهرة.

ومسؤولية الأمة أن لا تنسى رجالها الأفذاذ وقممها السامقة لحادث الوفاة، وأن لا تضع نهايتهم بوفاتهم في ذاكرتها ووعيها وسلوكها ومواقفها، وأن لا تقتصر على ميراثهم الفكري الضخم ناسيةً ميراثهم المنقذ المصوّب لمسيرتها الذي تقدمه سيرتهم العملية ومواقفهم الصلبة الرسالية الهادية.

نحن نبقى نتغنّى بأفذاذ رجالنا الماضين، ولكن بلا إقتداء ومع الأسف الشديد، والعظماء لا يتطلعون من مجتمعهم لأكثر من ذلك، أن يقتدي بما كانوا عليه من سيرة عطرةً أبناء الأمة وبناتها.

الشهيد الصدر رضي الله عنه وأرضاه من الرجال الذين يصعب قطع الطريق إلى قممهم والاستطالة إلى قاماتهم، ولكن لابد مع ذلك من الاقتداء بهم والتطلّع إلى ما وصلوا إليه وأن يكونوا أمثلةً فاعلة في حياة الأمة.

إنهُ رجلٌ عَمِل في ظروف صعبة وما قعدت به، شحّ العيش، وقساوة الوضع الأمني، وأوضاع حوزوية خاصة متحدية، كثرة معجبين ومحبين، وكثرةٌ من حسّاد، وكلا الأمرين أن يحبك كثيرون، أن يعجبك كثيرون، أن يحسدك كثيرون هو مشكلة، وكلا الأمرين فيهما للمرء مشكلة.

أما المواقف فلا منازعة منه على المرجعية رغم قامته العالية، جهادٌ في ظل نظامٍ حاكمٍ من أشرس الأنظمة، وفي ظل صمتٍ مطبق تحت بطش الحديد والنار لا يخترقه إلا صوتٌ جريء باع صاحبه نفسه لله. موقفه من الدنيا موقف الترّفع والشعور بأن المؤمن أكبر من كل ما فيها مما يهزم النفوس، وتندّك أمامه إرادات الأقوياء.  وكان الرجلُ لا لقضية العراق وحدها، ولا لقضية الشيعة وحدهم، وإنما لقضية الأمة كل الأمة، ويشغله همّ الإنسانية كلها.

وعن فكره فهو فكرٌ إمامي علميٌ استدلاليٌ مستنير، لا يقيم مسألة من مسائل الإسلام عقيدة أو شريعة إلا على أساس ما يصل إليه من الدليل، في تحرر من ربقة التقليد وأسر فكر المحيط، وله فكره الإبداعي في أكثر من حقل علمي.

وكان للسيد الشهيد الصدر صموده البطولي العظيم أمام هول القتل البشع والتعذيب الظالم على يد الطغاة الذي تجرع آلامه المذيبة، وتجرعته كذلك أخته الأبية الطاهرة على مرأىً ومسمع منه، وهو ذو الغيرة التي تتحمّل ماهو أقل من ذلك لو أصاب غريباً أو غريبةً من المسلمين.

ذهب السيد الشهيد، وأخته الهاشمية البطلة في السعداء إن شاء الله، وأصحاب الدرجة العليا عن الرب الكريم.  رحم الله الصدر الشهيد، وأخته الطاهرة، ورضي الله عنهما وأرضاهما، وضاعف لهما الثواب العظيم.

الحوار والسلاح: 

أيهما الأصل؟ أيهما قبل؟ عند العقل والدين لا سلاح ما وُجدت فسحة للحوار في أي خلاف. وما أسرف دفع الهوى والغرور لحمل السلاح.
زوجٌ لا يملك عقله ويُفقده الطيش لأقل سببٍ صوابه، ويتبّع هواه، تسرع يده إلى لطم زوجته ورجله إلى ركلها لأتفه سببٍ وبلا تفاهم مع وجود العلاقة الزوجة المتينة ولكن الهوى والطيش يفعل ذلك.

أبٌ لم يتعلّم الروّية، ولا يحضره في مواقفه عقلٌ ولا دين، ويغلبه غضبه لصرخة إبنه الطفل أو كسر شيئاً أو عبث بأثاث على يده، ينزل به العقوبة التي تعيقه، وحال الهوى في نزاعات الدول والأحزاب والحكومات مع شعوبها لا يختلف عنه في حياة الأفراد.

فحيث يكون عقلٌ ودينٌ يكون تريّث، ومقايسة، وعرضٌ على الشريعة، وتدبّر في المصير، وتفكيرٌ في النتائج، وقد ينهي ذلك النزاع ويعيد الأمور إلى طبيعتها، وقد يحرّك الحرب ولكن في عقلانيةٍ ورشدٍ وعدلٍ وانضباط وبحدّ الضرورة.

وحيث لا عقل ولا دين ولا لَجأ إلا للغة السلاح والهوى، لا شيء في هذه اللغة غير السلاح. وفي لغة العقل والدين الحوارُ أولاً ولا مبادرة أصلاً بالسلاح إلا مع انسداد أفق الحوار وعند الاضطرار.

الأقوياء بما عندهم من سلاح يحتاجون إلى ضوابط فعلية ونفسية ودينية أضعاف ما يحتاج من ليس عندهم قوّة السلاح، فكيف يصير الأمر إذا ضَعُفت عند القوي أسباب الانضباط، وجود السلاح بيدك سببٌ من أسباب الغرور، سببٌ من أسباب عدم التوازن، سببٌ من أسباب الانفلات، فكيف إذا أضيف إلى ذلك انخفاض أو انعدام أسباب الانضباط، كيف يكون الأمر؟.. الحوار، الحوار، الحوار، الحوار لغة الإسلام قبل أي شيء، ويحرُم، وأقول يرتكب جريمةً من سدّ أبواب الحوار المنتج المصلح الجدي الذي يغيّر عن الظلم إلى العدل.

ولا يُؤمن هذا النوع من أقوياء السلاح بالحوار، ولا يُلجئ إليه منهم إلا بعد عجز السلاح وفشل السلاح.. هاك مثلاً من تونس في تجربتين، وإنّ لجوءاً إلى السلاح في تونس أقلّ منه بكثير من اللجوء إليه بلدان أخرى.

تونس أقل من ذلك، أقل إستعمالاً للسلاح وإن تمسكت كثيراً بالسلطة وكابرت شديداً محاولة التغيير. ومثلاً آخر من مصر في تجربتها الأولى، واليمن وما تتجه إليه السودان ظاهراً، ولابد أن تنتهي إليه ليبيا ومصرُ في تجربتها الثانية على تقدير فشل وبطلان فاعلية السلاح.

وفي البحرين حكّم الطرف القوي بسلاحه لغة السلاح، وطال استعمال هذه اللغة ودمّرت كثيراً وفككت كثيراً، وخسرّت الكثير وتقهقرت بأوضاع الوطن إلى الوراء في كل الأبعاد بما يقيم ضرره إلى زمنٍ طويل، وبعد كل هذا من الغريب أن تنتظر السلطة ما يُقنعها ببطلان لغة السلاح وأضرارها البالغة وبؤس وفشل هذه اللغة.

أما ما يكشف عن قناعة الحكومة بهذا الفشل في يومٍ من الأيام المقبلة، هو أن ترّحب بدعوة الحوار الجاد، وأن تبادر هي بهذه الدعوة، وتكشف عن صدق النية وراء هذه الدعوة لتهيئة الأجواء عملياً على أكثر من صعيد وفي أكثر من بعد لنجاح الحوار وإنتاجيته المرضية، وهذا ما عليه دعوات الحوار في مختلف البلدان التي عاشت التجارب السياسية والتجارب الأمنية.

—————
[1] كلمة أخيرة في الموضوع اختصاراً..

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى