الاثنين - 19 ذو القعدة 1440 - 23 يوليو 2019
جديد الموقع
آية الله قاسم: لا تستقر الحياة حتى تنكسر إرادةُ الاستكبار وتنتصر روح العزّة والكرامة والانعتاق

آية الله قاسم: لا تستقر الحياة حتى تنكسر إرادةُ الاستكبار وتنتصر روح العزّة والكرامة والانعتاق

خطبة الجمعة الثانية | 4 جمادى الآخرة 1435هـ – 4 أبريل 2014م | جامع الإمام الصادق (ع) بالدراز

القضاءُ عادل:
هذه مقولة كل أنظمة الحكم في البلاد العربية بالنسبة للقضاء التابع لها، لكن ما أن يتغيّر وضع النظام وتأتي سلطةٌ جديدة، ويتعرّض أهل السلطة السابقة لأحكام هذا القضاء إلا وحكموا عليه بالظلم، هو نفس القضاء، وأنهم يعانون من ظلمه بينما يتبجّح النظام الجديد بعدل القضاء الذي أقام بنائه وصار يمتثل ما يُملى عليه من جانبه.

فالقضاء التابع لأيّ نظام عادلٌ حسب إعلامه بشرط أن لا يصيبه من عدله المدّعى الذي يعرف نفسه أنه ليس كذلك ما يعاني منه أهل مقاومته، فالقضاء التابع لأيّ نظام ليس فوق عدله عدلٌ حسب إعلان ذلك النظام، وينتهي هذا العدل ويتحوّل إلى ظلم حالما تدور الدوائر على النظام نفسه ويخضع عددٌ من رجاله إلى حكم ذلك القضاء ويذوقون من ظلمه وأحكامه الجائرة أو حتى العادلة ما يذوقون.

هذا وكثيراً ما لو أبقى النظام الجديد الجهاز القضائي السابق، لانتقل أكبر رجال ذلك القضاء أو كلّهم من ظلم من سبقوا إلى ظلم من لحقوا – كان هذا القضاء العادل في نظر النظام الذي يتبنّاه يظلم معارضي ذلك النظام ثم يأتي ليظلم أهل النظام السابق نفسه، وهو عادل في الحالين لكن عادلٌ لمن ظلم له، ظالمٌ لمن ظلم على يده -.

هذا بالنسبة للوضع العام في الدول العربية والغالبية العظمى من دول العالم، أما عن وضعنا المحلي فالقضاء صار يصدر أحكامه القاسية بالجملة في حق المعارضين من أبناء الشعب في غياب وإهمالٍ للقواعد الشرعية، وفي تخلٍّ عن ضوابط الدستور والقانون.

وإذا كانت هذه الأحكام كما تقول الجهة الرسمية والقضاء الذي ورائها معصوماً فمن الغريب جداً والمدهش جداً ومن الصدفة الثابتة – والصدفة لو كانت لا تثبت -، والصدفة التي ليس مثلها صدفة وهي في تكررها كالقانون الطبيعي الثابت، من الغريب ومن المدهش أن لا تأتي ولو مرة واحدة مخالفةً لهوى السلطة التنفيذية ولما تدّعيه ضد المعارضين! كيف هذه الصدفة؟

قضاءٌ عادل دائماً، ولا يأتي إلا في صالح الجهة التنفيذية؟ ولا يأتي إلا في إضرار المعارضين! إنها عدالة، ولكنها من نوعٍ خاص لا تعرفه إلا السياسة والقضاء التابع لها دون أن يعرفها الدين ولا الضمير الإنساني ولا القانون.. عدالة لا يصدقها الواقع ولا تلاقي تصديقاً من غالبية المواطنين.. عدالة تستنكرها منظمات حقوق الإنسان التي تقف على خط الحياد وكثيراً ما تلقى منها الإدانة… عدالة لو صدق أنها كذلك لكان هذا الشعب الذي تُطبّق عليه لكثرة ما تناله من أبنائه العقوبات المشدّدة وأحكام السجن لمدد طويلة والسجن المؤبد شعب الجرائم والمجرمين. [هتاف جموع المصلّين: الله أكبر.. الله أكبر]

يلازم عدالة قضائنا وكثرة ما يصدر في حق الشعب من أحكام السجن المؤبد وغير المؤبد أن شعبنا شعب جرائم، نعم شعب الجرائم والمجرمين، والقتل والقتلة والفساد.. إما أن يكون القضاء جائراً وإما أن يكون هذا الشعب مجرماً، وحاشى لشعبنا أن يكون كذلك.

هذه عدالتنا القائمة ولتخرس ألسن المطالبين بعدالةٍ غيرها، بعدالةٍ فيها صدق، وليرتفع صوت المنظمات الحقوقية، وليكثر عويل الأمهات، وليتيتّم الأطفال، حيث يقضي آبائهم العمر في السجون، ولتضطرب أحوال العوائل لغياب المعيل، ولا ضير في ذلك كله من أجل رضا السياسة.

ديمقراطيتنا المتميّزة:
في البحرين ديمقراطية، هكذا يقولون.. الديمقراطية هنا سبّاقة، متميزة، فريدة، المستوى ذات مستوىً مثال وحقّ للديمقراطيات الأخرى أن تقتدي بها، وللمحرومين من الديمقراطية أن يقتفوا أثرها، دعونا نقول هكذا. ولكن ما وصف هذه الديمقراطية المثال؟

مجلس شورى معيّن يتمتّع بحق التشريع، مجلس منتخبٌ من اختيار السلطة التنفيذية وتصميمها الكامل، سلطة قضائية معيّنة شاءت الصدفة والصدفة لا تشاء أن تكون منسجمة تمام الانسجام مع إرادة السلطة التنفيذية وأن تأتي أحكامها مطابقة دائماً لما تقترح حتى صار هذا طابع عدالتها، دستورٌ لا رأي للشعب فيه، تضييق على الحرية الدينية والمذهبية إلى حدّ ملاحقة مشاريع التلاوة للذكر الحكيم بالعقوبة، ومصادرة حق الصلاة في المساجد المهدّمة، إقصاءٌ وتعطيلٌ لكفاءاتٍ وطاقاتٍ قادرةٍ مستهدفةٍ من حسٍ طائفي مُستَولٍ على السياسة وعلى خلفية المطالبة بالحقوق، وشراسةٌ ومواجهةٌ للمطالبة بالحقوق، سحبُ جنسياتٍ وتهجيرٌ للمواطنين من المنطلق نفسه والذنب ذاته.
فتعالي يا دنيا! وتعال يا غرب لتتعلّموا الديمقراطية على يد ديمقراطيتنا، على أن ديمقراطيتنا دكتاتوريةٌ ليس لها من الديمقراطية إلا اسمها، أما الديمقراطية التي من حقّها أن يُطلق عليها هذا العنوان بدرجةٍ من الصدق فهي ما لم يكفي في الوصول إليها كل ما بُذل من تضحيات، من دماءٍ وأموالٍ وما تحمّله هذا الشعب من تعبٍ ونصبٍ وعذاباتٍ وسجون وهجرةٍ وتشرّد وما ناله من كوارث شداد.. بعدُ الثمن وكأنه لم يدفع في نظر السياسة القائمة!

ديمقراطيةٌ يصرّ النظام أن لا تكون وإن ثني هذا الشعب، وإن سقط هذا الوطن لا نهضة له بعدها، وأن لا تكون حتى تغرق الشوارع من دماء الأبرياء من أبناء شعبنا وتيتّم الأطفال في كل بيت، وكأن هذه الرؤية هي رؤية المحيط الأقليمي والعربي، ورؤية الدول المؤثّرة الصديقة للنظام، وكان الله في عون هذا الشعب وهذا الوطن المظلوم.

الاستكبار والاستضعاف:
تاريخ الاستكبار والاستضعاف في الأرض ومجتمعات الإنسان تاريخٌ طويلٌ قديمٌ مقيم، لا تتخلّله إلا انقطاعات استثنائيةٌ يسيرة المدة هنا أو هناك على يد حكم السماء حيث يرضى به الإنسان، وهذه الانقطاعات هي الواحات الخضراء الرائعة في حياة المجتمعات وكل ما عداها تكون الأرض غارقةً في الظلام والعذاب.

وما تُرك الإنسان لهواه إلا وطلب الاستكبار عملاً وتمسّك به ما استطاع تعويضاً عمّا يحكمه من الشعور بالفقد والضعة والنقص، – إذا استسلمتُ للهوى كنتُ في داخلي محكوماً للشعور للفقد والضعة والنقص، فأحتاج إلى التعويض، هذا التعويض بالاستكبار الكاذب الظالم -.

وحتى يتحقّق ما يريد – ذلك الشخص، ذلك الإنسان – من أسباب الاستكبار العملي الباطل، وأن يبقى له استكباره يجد أن لا بدّ له من استضعاف شركائه في الأرض والحياة، ومن يريد أن يبني ويحتفظ باستكباره على حساب مصلحتهم وعزّتهم وما يجدونه من فرص التقدّم والازدهار – لا بدّ أن أسلب منك كل شيء حتى أسودك وأستكبر عملياً عليك -.

وفي مقابل هذا المستكبر ما من إنسانٍ إلا ويعزّ عليه أن يظلّ أسير الضعف والذلّ والهوان، وأن تكون حياته في شرنقة الظلم الذي يمارس في حقه من الآخرين، ليس من إنسانٍ ما لم يمسخ إلا ويتطلّع إلى الخروج من هذا الذلّ والهوان وأن يتحقّق له الخلاص، ومن هنا يبدأ الصراع وتبدأ المعركة، ولا تستقر الحياة حتى تنكسر إرادةُ الاستكبار وتنتصر روح العزّة والكرامة والانعتاق.

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى