الاثنين - 19 ذو القعدة 1440 - 23 يوليو 2019
جديد الموقع
العلامة الغريفي في ختام مسابقة “الذكر الحكيم”: السلوك القرآني لا يتجزّء.. ولا بدّ في السياسة من سلوكٍ قرآني

العلامة الغريفي في ختام مسابقة “الذكر الحكيم”: السلوك القرآني لا يتجزّء.. ولا بدّ في السياسة من سلوكٍ قرآني

السنابس – المجلس العلمائي

كلمة سماحة العلامة السيد عبدالله الغريفي في ختام المسابقة القرآنية التي نظمتها جمعية الذكر الحكيم القرآنية – 26 جمادى الأولى 1435هـ / 28 مارس 2014م – بمأتم السنابس.

نص الكلمة:

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين، وأفضل الصلوات على سيد الأنبياء والمرسين، سيّدنا ونبيّنا وحبيبنا وقائدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

السلام عليكم أيها الأحبة ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله في عرس القرآن..

وسوف نبقى في عرسٍ قرآني مهما مُلأت حياتنا بالأحزان، ومُلأت بالمآسي، ومُلأت بالعذابات، ومُلأت بالعناءات، فالقرآن يملأنا أملاً، ويملأنا صمودًا، ويملأنا ثباتًا؛ فلن ننكسر ما دمنا مع القرآن، ولن ننهزم ما دمنا مع القرآن، فكونوا قرآنيين تنتصروا وتنتصر إرادتكم، مهما تعملق الطغاة، ومهما قست الظروف، ومهما تعدّدت المحن، كونوا قرآنيين.

وماذا يعني أن نكون قرآنيين؟

أحبائي.. نحن حينما نقيم هذه الفعاليات وهذه الاحتفالات وهذه المناسبات القرآنية، ليس من أجل ترفٍ فكري أو ترفٍ ثقافي أو احتفالاتٍ خطابية، القرآن يشكّل الموقع الذي يصوغ هذه الأمة، يصوغ فكر الأمّة، وثقافة الأمّة، وحركة الأمّة، وحياة الأمّة وكلّ انتصاراتها.

كيف نكون قرآنيين؟ ماذا يعني أن أكون قرآنيًا؟!

ليس بالضرورة أن يكون القرآني هو عالم دين، قد يكون القرآني فلّاح وهو إنسان قرآني، قد يكون عامل وهو إنسان قرآني، قد يكون كنّاس وهو إنسان قرآني.

أن أكون إنسانًا قرآنيًا قهي مرتبة عالية جدًا، أعلى مرتبة بعد مرتبة النبيّين هي مرتبة القرآنيين – وهذه ليست كلمات إنشائية بل مضامين أحاديث -.

وهذا نص الحديث “إنّ أهل القرآن في أعلى درجة من الآدميّين ما خلا النبيّين والمرسلين”.

ونقرأ في الحديث أيضًا عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): “أشراف أمّتي حملة القرآن وأصحاب الليل”.

وحديث يقول: “حملة القرآن هم المحفوفون برحمة الله، الملبوسون بنور الله”.

السؤال هنا: ماذا يعني أن أكون قرآنيًا؟ وكيف أكون قرآنيًا؟ ومن هو الإنسان القرآني؟ وكلّ منّا يريد أن يحظى بشرف هذه المرتبة العالية الكبيرة جدًا.

أولاً: أن أحمل عقلاً قرآنيًا.

ثانيًا: أن أحمل قلبًا قرآنيًا.

ثالثًا: أن أحمل سلوكًا قرآنيًا.

رابعًا: أن أحمل حراكًا قرآنيًا.

ولكي أوجد المحضن لهذه المكونات، أحتاج أولاً أن أصاحب القرآن، ويعني اقرأ القرآن دائمًا، وأنت تتحرك في الشارع اقرأ القرآن بما تحفظ.

واقرأ لكم هذه الرواية وجدتها في بعض المصادر، تقول: في يومٍ من الأيام خرج الرسول (صلى الله عليه وآله) في غزوة من الغزوات، وفي ذلك اليوم طلعت الشمس بطريقة غريبة بإشعاع لنور الشمس مختلف، الرسول والصحابة استعجبوا؟ ينزل جبرئيل، ويسأله رسول الله عن هذه الظاهرة الكونيّة، يقول جبرئيل: إن فلان اللّيثي – لا يحضرني الآن اسمه – مات الليلة بالمدينة، فبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلّون عليه. سأل الرسول: ولما ذلك يا جبرئيل؟ قال جبرئيل: كان يُكثر من قراءة “قل هو الله أحد”، قائمًا وقاعدًا وماشيًا وآناء الليل والنهار. ثم يكمل ناقل الرواية: استكثروا منها، فإنها نسبة ربكم، ومن قرأها خمسين مرّة رفع الله له خمسين ألف درجة وحطّ عنه خمسين ألف سيئة وكتب له خمسين ألف حسنة، ومن زاد زاده الله.

عن الإمام زين العابدين (ع) يقول: “لو فقدت ما بين المشرق والغرب لما استوحشت ما دام القرآن معي”.

إذًا نخرج من هذه الفعاليات من هذه الملتقيات وتزيد علاقتنا بالقرآن، شكّلوا علاقة حقيقية مع القرآن واجلعوا القرآن صاحبكم وصاحبوا القرآن.

وهنا نأتي: هذه الصحبة وهذه القراءة تنتج عندنا عقلاً قرآنيًا. ماذا نعني بالعقل القرآني؟!

العقل القرآني هو الفكر والثقافة التي يصوغها القرآن، وليس عقلي من تصنعه ثقافات أخرى، ولا أقصد بثقافة القرآن تلك التزويرية التحريفية الداعشيّة المنحرفة، ثقافة القرآن التي تلازم الثقل الثاني “إنّي تاركٌ فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي”.

الخوارج من قرّاء القرآن وتسمع لهم دوي كدويّ النحل في تلاوة القرآن، ويتقرّبون إلى الله بقتل علي بن أبي طالب، وهؤلاء التكفيريين اليوم الذين يذبحون ويسفكون ويقتلون ويقولون “الله أكبر” ويقولون نحمل ثقافة القرآن؛ نحن لا نريد هذه الثقافة. الثقافة التي نستقيها من منابعها الأصيلة، فيوم نفصل أهل البيت (ع) عن القرآن نكون انحرفنا في فهم القرآن.

ومصادر بناء الثقفة القرآنية كثيرة، وكل واحد حسب امكاناته يوفّر له مصدر. أنت إقرأ القرآن واترك لك وقت للتدبّر لقرآني، للتفسير القرآني، لقراءة الأفكار القرآنية والكتابات القرآنية حتى تتشكّل لديك ثقافة قرآنية ورؤى قرآنية ومفاهيم قرآنية، فيتشكل عندك العقل القرآني.

والعقل القرآني مراتب، ونحن لا نريد منك أن تحمل عقل قرآني كما يحمله رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولكن أقدر أرتقي بمستوى وثقافة قرآنية أحملها.

ثانيًا: أن أحمل قلبًا قرآنيًا. ما معنى القلب القرآني؟

القلب المملوؤ بعشق القرآن، والعشق له معنى، فيه وانصهار وذوبان مع القرآن، فيه حب غير عادي مع القرآن ومفاهيم القرآن، ولذلك المنهج القرآني لا يكتفي بصنع العقل، والعقل وحده ينتج فكر جامد، نحتاج إلى أن نعبأه بشحنات قلبية وروحية حتى يصبح الفكر نابض وحي، وكذلك النبض والموج القلبي إذا كان من دون فكر يصبح غير واعي.

ثالثًا: أن أحمل سلوكًا قرآنيًا.

أحتاج إلى سلوك قرآني إلى تقوى قرآنية، أحوّل العقل والقلب القرآني إلى سلوك قرآني، لا أريدك أن تكون معصوم ولكن ليكن القرآن مترجم في سلوكك، من خلال تقوى ونظافة السلوك وطهر السلوك.

العقل وحده لا يفيد، القلب وحده لا يفيد إذا لم يوجد سلوك، وهذا السلوك أيضًا قيمته تستمد من عقل قرآني ومن قلبٍ قرآني يُنتج سلوك قرآني، ولا يعني أن يكون عندي فقط سلوك عبادي قرآني، بل لا بد أن يكون لدي سلوك اجتماعي وعلاقاتي مع الناس قرآنية وسلوكي في السياسة قرآني؛ فالسلوك القرآني لا يتجزّء.

أنت قرآني.. في المسجد في المحراب في السوق في المدرسة في موقع العمل السياسي، في كل المواقع؛ اترك القرآن هو من يرشح حركة سلوكك.

رابعًا: أن أحمل حراكًا قرآنيًا.

أن أتحوّل داعية إلى القرآن، فكما صنعت نفسي قرآنيًا أعمل من أجل أن أصنع الآخرين قرآنيين، والمرتبة بفقدانها فارقة جدًا. هذه رسالية القرآن، وهذه الفعاليات هي جزء من رسالية القرآن، بتعليم الناس وهداية الناس إلى القرآن وإلى خط القرآن.

في يوم من الأيام يقولون للرسول (صلّى الله عليه وآله): يا رسول الله يوجد شخصين، شخص يصلّي المكتوبة من دون المستحبّات ثم يجلس يعلم الناس ويهديهم ويرشدهم ويثقفهم ويربطهم بالله والقرآن، وآخر يصلي الفريضة ويقوم الليل ويصوم النهار ولكن ليس له أي دور؛ أيّهما أحبّ إليك يارسول الله؟ – مضمون الرواية -. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “فضل الأول على الثاني كفضلي على أدناكم”.

والدعوة إلى القرآن وتحريك القرآن ليس فقط بالفكر والثقافة، أنت لديك كلمة تشجع على النشاطات القرآنية، تكون داعية للقرآن، لو كنّاس وليس لدي أي ثقافة وأُمّي، وأقول يا ناس احضروا لفعاليات القرآن، صرت داعية للقرآن، لدي مال أقدر من خلالها أن أنشط الفعاليات القرآنية، صرت داعية للقرآن بمالي بموقعي.

إذًا املك عقلاً قرآنيًا، املك قلبًا قرآنيًا، املك سلوكًا قرآنيًا، مارس حراكًا قرآنيًا تكون القرآني، ويكون موقعك الكبير الكبير عند الله.

نسأل الله أن يوفقنا لما فيه رضاه، وأن يجعل هذه المناسبات وهذه الاحتفالات خالصة لوجهه. وتقبّل الله منّا ومنكم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى