الاثنين - 16 شعبان 1440 - 22 أبريل 2019
جديد الموقع
العلامة الغريفي: أين دعاوى محاربة الخطاب الطائفي وخطاب الكراهية وخطاب الفتنة؟

العلامة الغريفي: أين دعاوى محاربة الخطاب الطائفي وخطاب الكراهية وخطاب الفتنة؟

حديث الجمعة | 25 جمادى الأولى 1435هـ / 27 مارس 2014م | مسجد الإمام الصادق (ع) بالقفول

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وأفضل الصَّلوات على سيِّد الأنبياء والمرسلين محمَّدٍ وعلى آله الهداة المعصومين، وبعد فمع أكثر من عنوان…

أنماط من الكَذِب شائعة (4):

(4) الكَذِبُ السِّياسي:

من أكثر ألوان الكَذِب شيوعًا وانتشارًا، ومن أشدِّها أضرارًا (كَذِبُ السّياسة) حتَّى أصبح الكَذِبُ في نظر النَّاس مقوِّمًا أساسًا في تعريف (السِّياسة) فلا تُذكر مفردة (السِّياسة) إلَّا ويكون مرادفها (الكذب والخداع والغدر والنفاق)، وهذا الترادف نشأ نتيجة تاريخ طويل من الممارسات الفاسدة والسَّيئة في دنيا الحكم والسِّياسة، وإلَّا فالمفردة في حدِّ ذاتها هي عنوان لتدبير وإدارة شؤون البلاد والعباد، وربَّما جسَّد هذا العنوان قيم العدل والخير والصلاح، وربَّما جسَّد قيم الظلم والشرِّ والفساد…

جاء في كلمةٍ لأمير المؤمنين عليه السَّلام:

«واللهِ ما معاويةُ بأدهى منِّي، ولكنَّهُ يَغْدِرُ ويَفْجُرُ، ولولا كراهية الغَدْرِ لكنتُ مِن أدهى النَّاسِ، ولكنْ كُلُّ غُدَرَةٍ فُجرَةٌ، وكلُّ فُجَرةٍ كُفَرةٌ، ولكلِّ غادِرٍ لواءٌ يُعرَفُ بهِ يوم القيامةِ، واللهِ ما أُسْتغْفَلُ بالمكِيدةِ ولا أُستغمزُ بالشديدةِ».

في المقطع من كلام أمير المؤمنين عليه السَّلام مجموعة مضامين كبيرة:

الدَّهاء السِّياسي إذا تحوَّل أداة للغدر والفجور والعبث بالمبادئ والقيم وانتهاك الحرمات كان كفرًا مُغلَّظًا، وضلالًا مؤكَّدًا، ولهذا استشهد أمير المؤمنين عليه السَّلام بحديث مروي عن النَّبي صلَّى الله عليه وآله وهو: «لكلِّ غادر لواء يُعرف به يوم القيامة».

وهذا ما أكَّدته كلمات كثيرة:

قول النَّبي صلَّى الله عليه وآله: «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، يُرفع لكلِّ غادرٍ لواء، فقيل هذه غدرة فلان بن فلان».

وقوله صلَّى الله عليه وآله: «ألا إنَّه يُنصب لكلِّ غادرٍ لواءٌ يوم القيامة بقدر غدرته».

قوله صلَّى الله عليه وآله: «لكلِّ غادرٍ لواءٌ يوم القيامة يُرفع له بقدر غدره، ألا ولا غادر أعظم غدرًا من أمير عامة».

وقول أمير المؤمنين عليه السَّلام: «الغدرُ شيمة اللئام».

وقوله عليه السَّلام: «إيَّاك والغدرُ فإنَّه أقبح الخيانة، وإنَّ الغدور لمُهان عند الله».

 مطلوب من المؤمنين أنْ يملكوا بصيرة سياسية حتَّى لا يسقطوا في حبائل اللعب السِّياسية الخادعة، ولا يُستغفلوا في مواجهة أساليب السِّياسة المملوءة بالغدر والكذب والخيانة…

وهذا ما تعنيه كلمة أمير المؤمنين عليه السَّلام «واللهِِ ما أُستغفلُ بالمكيدة» فمعاوية يمارس من المكائد والخداع ما لا أسمح لنفسي بممارسته انسجامًا مع مبادئي وقيمي، إلَّا أنَّ هذا لا يعني أنْ أكون ساذجًا وغبيًّا في التعامل مع تلك الخدع والمكائد، صحيح لا أقبل الخديعة بخديعة، ولا الغدر بغدر، ولا الكذب بكذب ممَّا هو شائع في دنيا السِّياسة، غير أنِّي أسلِّح نفسي بالوعي والبصيرة لكي لا أسقط في حبائل الألاعيب الماكرة والأساليب الخادعة، بل مسؤوليتي أنْ أعرِّي تلك الألاعيب والأساليب لكي لا يسقط ضحيَّتها الكثيرون من المخدوعين والمضلَّلين، لا خطر أكبر على الشعوب من (الاستغفال السِّياسي) وهذا ما تحاول إنتاجه أنظمة الحكم، لتبقى الشعوب مسلوبة الوعي والبصيرة، الأمر الذي يقتل في داخلها إرادة الرَّفض والممانعة، والحركة في اتجاه التغيير والتصحيح…

وكلَّما ارتقى وعي الشعوب سياسيًا كانت محصَّنةً أمام مكائد وخدع الأنظمة الحاكمة، وكانت مؤهَّلةً لكي تمارس دورها في التصدِّي للدفاع عن حقوقها المسلوبة، وكرامتها المهدورة، ومطالبها العادلة، وإنَّ من أهم مسؤوليات المتصدِّين لقضايا الشعوب وشؤونها السِّياسية أنْ يرتقوا بمستوى الوعي السِّياسي لدى الجماهير، خشية أنْ تُدجَّن هذه الجماهير من خلال إعلام الأنظمة الحاكمة، ومن خلال مناهجها الفكرية والثقافية، فمعركة بناء الوعي السِّياسي لا تقل أهميةً عن معركة التصدِّي السِّياسي، وبقدر ما تنتصر الجماهير في امتلاك الوعي السِّياسي يكون انتصارها في معركة التصدِّي السِّياسي، وبقدر ما تنهزم في الوعي يكون انهزامها في التصدِّي والممارسة…

 يجب على المؤمنين أنْ لا يسقطوا أمام القوى المضادة، مهما تعملقت هذه القوى، ومهما توفَّرت على وسائل البطش والفتك…

فكلمة أمير المؤمنين تقول: «ولا أُسْتَغَمزُ بالشديدة».

لا أُستغمز: لا أستضعف.

بالشديدة: القوة الشديدة.

والمعنى: لا يستضعفني شديد القوة.

قد تملك القوى المضادة للشعوب كلَّ الإمكانات والقدرات، أكانت هذه القوى دول كبرى، أو أنظمة حكم هنا أو هناك، أو منظمات أو كيانات أو جماعات، إلَّا أنَّ هذا لا يبرِّر للشعوب، وللجماهير، وللقوى المعارضة أنْ تستشعر الضعف، والهزيمة، والانكسار، مهما كان التباين كبيرًا جدًّا في الإمكانات والقدرات، غير أنَّ إرادة الشعوب والجماهير دائمًا هي الأقوى، وهي الأقدر على إنتاج النصر، وتجارب التاريخ والحاضر براهين صادقة على ذلك، فما قرأنا في التاريخ أنْ انهزمت إرادة الشعوب والجماهير…

في كلمة للشهيد السَّيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه: قالها مخاطبًا الشعب العراقي، متحدِّثًا عن جرائم النظام الصدامي الذي مارس أبشع الجرائم:

«يا جماهير العراق المسلمة التي غضبت لدينها وكرامتِها ولحرِّيتها وعزَّتها، ولكلِّ ما آمنتْ به من قيم ومُثُل…

أيُّها الشعب العظيم! إنَّك تتعرَّض اليوم لمحنةٍ هائلةٍ على يد السَّفاكين والجزَّارين الذين هالهم غضبُ الشعب وتململ الجماهير بعد أنْ قيَّدوها بسلاسلَ من الحديد، ومِن الرُعبِ والإرهاب، وخُيِّل للسافكين أنَّهم بذلك انتزعوا من الجماهير شعورها بالعزَّةِ والكرامةِ، وجرَّدوها مِن صلتها بعقيدتها وبدينها وبمجدها العظيم لكي يُحوِّلُوا هذه الملايين الشجاعة المؤمنة من أبناء العراق الأبي إلى دُمى وآلات يحرِّكونها كيف يشاؤون، ويزقونها ولاء (عفلق) وأمثاله من عملاء التبشير والاستعمار بدلًا من ولاء (محمدٍ وعليٍّ صلوات الله عليهما)..

ولكنَّ الجماهير دائمًا هي أقوى من الطغاة مهما تفرعن الطغاة، وقد تصبر ولكنَّها لا تستسلم وهكذا فوجئ الطغاة بأنَّ الشعب لا زال ينبض بالحياة ولا تزال لديه القدرة على أنْ يقول كلمته، وهذا هو الذي جعلهم يبادرون إلى القيام بهذه الحملات الهائلة على عشرات الآلاف من المؤمنين والشرفاء من أبناء هذا البلد الكريم، وحملات السجن والاعتقال والتعذيب والإعدام، وفي طليعتهم العلماء المجاهدون الذي يبلغني أنَّهم يستشهدون الواحد بعد الآخر تحت سياط التعذيب…».

- انتهى المقطع من كلمة الشهيد السّيد محمد باقر الصدر -.

فهو رضوان الله عليه يؤكِّد أنَّ الجماهير مهما طال عناؤها، وطالت محنتُها في ظلِّ أنظمة الاستبداد والجور والبطش والفتك، فإنَّها لا يمكن أنْ تنكسر وأن تتراجع، وأنْ تنهزم، مهما كلَّفها الصمود، والثبات، والإصرار من أثمانٍ باهظةٍ، وتضحياتٍ كبيرة، فالنصر في النهاية للجماهير وللشعوب، والهزيمة دائمًا للطغاة والمتجبرين في الأرض.

ليس صدفةً عمياء أنْ يكون اليوم الذي أعدم فيه الشهيد السَّيد محمد باقر الصدر وشقيقته الشهيدة بنت الهدى في التاسع من أبريل هو اليوم نفسه الذي سقط فيه نظام الطاغية صدَّام… إنَّها إرادة الله وحكمته، وإنَّه الدرس الكبير لكلِّ طغاة الأرض، وإنَّه البشرى لكلِّ المظلومين والمضطهدين والمعذبين…

لنا حديث في ذكرة استشهاد الصدر رضوان الله عليه، الجمعة القادمة إنْ شاء الله تعالى…

 المعوِّقات لا زالت هي الأقوى:

مهما نشط الحديث عن الإصلاح السِّياسي، ومهما نشط الحديث عن الحوار والمبادرات، فإنَّ المعوِّقات لا زالت هي الأقوى، مَنْ يقف وراء إنتاج هذه المعوِّقات، قوى المعارضة والمساحة الأكبر في الشارع تتهم السُّلطة، وفي المقابل تتهمُ أجهزة النظام والمساحةُ الموالية الطرف الآخر، لن ندخل في جدلية التُهم والتُهم المضادَّة، ولكن دعونا نحاسب المعوِّقات، لنكتشف مَنْ يقف وراءها، وقبل هذا دعونا نتساءل مَنْ الذي يَملكُ (إمكانات الإصلاح السِّياسي)؟ ومن الذي يملكُ القدرة الأكبر على إنجاح أو إفشال المبادرات؟

أمَّا الإجابة عن التساؤل الأوَّل فواضحة جدًّا…

فالذي يملك (إمكانات الإصلاح السِّياسي) فهو النظام، لا يعني هذا أنَّ قوى الشارع مسلوبة الإرادة في إنتاج الإصلاح السِّياسي، الأمر ليس كذلك فهذه القوى تشكِّل أرضية الحركة لأيِّ مشروع إصلاحي، فنجاح المشروع أو فشله بقدر ما يوافق عليه الشعب أو يعارضه، وهذه الموافقة أو المعارضة لا تنطلق من (مزاجية طائشة) وإنَّما تحكمها حسابات موضوعية في قدرة (المشروع الإصلاحي) على إنقاذ البلد من أوضاعه المأزومة أو عدم القدرة، وفي الاستجابة لمطالب الشعب العادلة أو عدمها.. فالشعب هو الحاضن لمشروعات الإصلاح السِّياسي، ولن يكون أبدًا مُعطِّلًا لهذه المشروعات ما دامت تصبُّ في صالحه، إلَّا إذا كان الشعب أبلهًا أو مسكونًا بنزعاتِ الشرِّ والفساد والعبث…

إذًا فالنظام الحاكم بيده إنتاج الإصلاح السِّياسي، وبيده تعطيل هذا الإصلاح.

أمَّا التساؤل عمَّن يملك القدرة الأكبر على إنجاح أو إفشال المبادرات الساعية لإنقاذ الوطن من أزماته، ولإنتاج الحلِّ الصحيح لخلاص هذا الشعب من محنه وآلامه، فهو النظام أوَّلًا وثانيًا وثالثًا، فالمبادرات بيده، والحلُّ بيده، وإنجاح أو إفشال هذه المبادرات، وهذا الحلُّ بيده، فمن المغالطات الفاحشة أنْ يحمَّل الشارع أو قواه المسؤولية، وحتَّى لو وُجد في الشارع أو في بعض قواه مَنْ ينزع للتأزيم، وتعطيل المبادرات الجادَّة المخلصة، فهو غير قادر أبدًا على إيقاف أيّ مبادرة حقيقية، ما دام النظام والشعب وقوى الشارع تقف مع هذه المبادرة…

فحينما تغيب المبادرات الصَّادقة، وحينما تتعطَّل، فالمسؤولية كلّ المسؤولية يتحمَّلها النظام، ومن الظلم أنْ نحمِّل الشعب المسؤولية، لأنَّ هذا التعطيل لا يصبُّ في مصلحته على الإطلاق ولا يخدم أهدافه العادلة، ومطالبه المشروعة…

في ضوء هذا الطرح نستطيع أنْ نجزم بأنَّ (المعوِّقات) في طريق الإصلاح السِّياسي، وفي طريق (المبادرات) الباحثة عن الحلول هي من صنع مَنْ بيده (إمكانات الإصلاح السِّياسي) ومَنْ بيده (قُدرة الإنجاح والإفشال للمبادرات)، وليس إلَّا النظام، وإذا وجد دورٌ سلبي لبعض قوى الشارع فهو مرفوض قطعًا، ولا يُعبِّر عن مسؤولية، غير أنَّ هذا الدور لا يمكن أنْ يشكِّل (معوِّقًا) ما دام النظام جادًّا وصادقًا في عملية الإصلاح السِّياسي، وما دام الشارع وقواه الأوسع مع هذا الإصلاح…

قد يقال لماذا دائمًا الأنظمة هي المتَّهمة؟

أليس في صالح الأنظمة أنْ تحسِّن الأوضاع السِّياسية والأمنية؟

أليس في صالح الأنظمة أنْ يعمَّ الاستقرار والازدهار؟

أليس في صالح الأنظمة أنْ تكسب رضا الشعوب؟

وماذا تجني الأنظمة من غياب الإصلاح السِّياسي؟

وماذا تجني الأنظمة من اضطراب الأوضاع؟

وماذا تجني الأنظمة من سخط الشعوب؟

وماذا تجني الأنظمة من امتلاء السجون؟

تساؤلات واردة، فالخير كلّ الخير للأنظمة الحاكمة أنْ يعمَّ العدل والأمن والرفاه والرِّضا…

هذا ما يفرضه الرشد السِّياسي، والعقل السِّياسي، وهذا ما تفرضه الحكمة السِّياسية…

إلَّا أنَّ هذا الرشد، وهذا العقل، وهذه الحكمة كثيرًا ما تكون مأسورة للنزق السِّياسي فترتبك وتتأزَّم الأوضاع…

كلمتان أخيرتان:

ما صدر عن أحد المواقع لشخصية رسمية كبيرة جدًا من اعتداء سافر على طائفة بكاملها وعلى كلِّ علمائها، وبلغةٍ في غاية السوء أمر يؤسِّس لمآلات مرعبة وخطيرة، وخاصة حينما يصدر هذا الكلام من شخص له خصوصيته وله عنوانه، إذا استمر هذا النمط من الخطاب فالويل كلُّ الويل لهذا الوطن، أين دعاوى محاربة الخطاب الطائفي، وخطاب الكراهية، وخطاب الفتنة؟

 لماذا الاعتداء على فعَّالية قرآنية بحتة؟

ما حدث في مأتم السنابس الكبير وأثناء إقامة فعَّالية قرآنية بحتة، وأثناء تواجد عدد كبير من الأطفال يتسابقون في تلاوة كتاب الله، ما حدث من اعتداء قامت به قوات الأمن حيث أطلقت قذائف الغازات الخانقة على هذا التجمّع القرآني المسالم أمرٌ في غاية القبح والإثم، فهل أنَّ هذه الفعالية القرآنية تشكِّل عملًا إرهابيًا، وتشكِّل عملًا مسيئًا للأمن؟ علمًا أنَّ السلطات الأمنية على علم بهذه الفعَّالية القرآنية التي تقام منذ سنوات…

لا نستطيع أنْ نفهم تفسيرًا لما حدث إلَّا الرغبة في إنتاج التأزيم بلا مبرِّر، وإلَّا الرغبة في الانتقام بلا سبب.. وليس المرة الأولى التي يعتدى فيها على فعَّاليات ومواقع دينية وبذرائع مختلفة لا أساس لها من الصِّحة..

ماذا تسمُّون هذا الفعل؟ فسِّروا لنا ذلك يا قوات الأمن، ويا أيَّتها السُّلطة؟

 وآخرُ دعوانا أن الحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

فيديو الحديث: http://www.youtube.com/watch?v=HKE01MZOTEs

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى