الاثنين - 19 ذو القعدة 1440 - 23 يوليو 2019
جديد الموقع
آية الله قاسم: إن من احترم دين الله احترم نفسه، ومن أهانه أهان نفسه

آية الله قاسم: إن من احترم دين الله احترم نفسه، ومن أهانه أهان نفسه

خطبة الجمعة الثانية | 19 جمادى الأولى 1435هـ – 21 مارس 2014م | جامع الإمام الصادق (ع) بالدراز

متى نُصدق الدين عملاً؟

متى نكون صادقين مع اسلامنا وايماننا؛ فلا يكون لنا طريقٌ غير طريقه ولا أخذٌ بغيره، والكلام هنا عنّا نحن المنتسبين للدين، المصدقين به اعتقاداً، المطبقين له بمقدار، والمخالفين له في الكثير من مساحة حياتنا وفي مواقف تدل على الاستغراق في الغفلة، بل على عدم الاكتراث والمبالاة، وتسجل علينا استخفافاً بأمر الدين ومظهراً فاضحاً من مظاهر العناد لكبرياء الله وجبروته.

حين تُصرّ فتاة مؤمنة على التبرج الخارج عن حد الشرع – لا ليوم ولا ليومين- وعلى الميوعة التي لا يرضاها، وعرض زينتها الذي يأباها، وحين يُصرّ فتى على التميّع واللباس البعيد عن اللياقة الشرعية، وحين تلغى أيّ محاسبة للشريعة في توجيه الاتهامات الباطلة، ويُعمل على تسقيط الطرف الآخر من غير حق ويُحكم على الأفراد والجماعات المؤمنة بسوء الظن، لا شيء وإنما لأغراض دنيوية وسياسية دنيئة.

وحين لا تراعى حرمات الله عزّ وجلّ في حفلات من حفلات الزواج، وفي سفرات من سفرات الحج والعمرة والزيارة، ومناسبات من المناسبات الدينية في ذكريات المعصومين الأطهار عليهم السلام، وحين لا يراعي مؤمنٌ في بعث ابنته الشابة إلى عاصمة من عواصم دنيا الفتنة الجنسية العارمة، ودنيا الجنس الصارخ من غير أن يعير نظراً ما لشرفها من قيمة، وما للإسلام من حرصٍ على سلامة عرضها في صورة خالية من أيّ احتياط لحفظ هذه الحرمة.

وحين ينطلق الشاب المؤمن والشابة المؤمنة في التعامل مع الفسق والفجور وجوّ الدعارة التي تبثّه قنوات التواصل من مراكز الرذيلة العالمية والمحلية من غير أدنى اهتمامٍ بشأن الدين وقيمه ونواهيه، وهذا بعض أمثلة.

أليس ذلك كله من الاستخفاف بالدين وعناده والتحدّي لله سبحانه؟ من نعاند؟ من نكابر؟ من نتحدّى؟ من نحن؟ ما وزننا؟ ما قوّتنا؟ ما مقاومتنا؟ ما استغنائنا عن الله عزّ وجلّ؟ نتحدّى قاهر كل قاهر؟ والعالم بما أعلن الإنسان وما أسرّ وبكل ظاهرة وخافية؟ من لا حاجة له في تكليفنا، وكل الحاجة منّا لتكليفنا، والتمسّك بما كلّف..

بمن توعّد العاصين من عباده بالعقاب الأليم، ولا يمنعه مانعٌ من أحدٍ عن إنفاذ ما توّعد به، ونحن الضعاف الصغار الفقراء المملوكون لقدرته وتصرّفه، والذين لا نتحمّل عذاباً أقلّ من عذابه، الهوى وحبّ الدنيا وعدم التفكّر والتدبّر في الأمور، ونسيان العواقب يوقع في أسوأ النتائج وأشدّ المهالك ويضلّ ويعمي ويفاجئ أصحابه بكوارث لا تدخل في الحسبان.

إن من احترم دين الله احترم نفسه، ومن أهانه أهان نفسه وأوقعه في أسوأ عاقبة وأسود مصير، وقد يرى في دنياه قبل آخرته من سوء ما فعل ندماً قتّالاً، وكان هذا العقاب الذي يلقاه في دنياه ما كان من شدةٍ لا يساوي شيئاً من ندم الآخرة.

كم سيبلغ عقاب الدنيا؟ كم سيبلغ عقاب الله عز وجل لعبده في الدنيا؟ هو هيّنٌ بالنسبة لعقاب الآخرة.

المجتمعات التي تتساهل مع بدايات ظواهر التميّع والتبرج الجاهلي، وفيها من يروج لها وينشرها في صفوف الناس ولا تواجه انكاراً اجتماعياً مبكراً واسعاً تنتهي إلى فوضى مخيفة في هذا الجانب وتتعدى إلى تهديد كل أمنٍ مادي ومعنوي.

مصر العزيز؛ مصر الإسلام والعلم تتعرض اليوم – وهي واحدة من بلدان كثيرة وليست مصر وحدها – كما تتحدث وسائل إعلامها وعدد من رجالها ونسائها عن ظاهرة فاحشة من التحرش الجنسي بالفتيات الكريمات علناً في الشوارع وحتى وصلت الظاهرة حريم الجامعة.

أما بلاد الغرب فالتسيّب الجنسي وفوق ذلك العدوانية الجنسية فهي ظاهرة طافحة وواسعة من الظواهر السلوكية الساقطة التي صارت ملازمة لحياتها، تسمع وتقرأ عن بريطانيا أن كل عشرين أمرأة تتعرض لنوعٍ وآخر من التحرش الجنسي – كل عشرين، وليس مجرد فحشاء، الفحشاء أمرها آخر، ولكن هذا هو التحرش وهو الاغتصاب وليس مجرد فحشاء الجنس التي ربما عدّت فضيلة لا رذيلة في الأعراف العامة والمفاهيم التربوية في تلك البلاد إذا كانت بإسم الصداقة والتمتع بحق الحرية والانفتاح ولم تكن عن اكراه ومصادرة للحرية الشخصية – أنريد نحن مجتمعاً هذا النوع؟، وحياة خسيسة منحدرة من لون هذه الحياة؟

تَركُنا للتميّع والتبرج الجاهلي أن يأخذ طريقه كما يراد له ويخطط له المخططون، وللتسيب الذي دشنته حفلات مختلفة من حفلات الزواج وغيرها ووسائل أخرى للفساد كالتواصل الإجتماعي السيء والاختلاط البعيد عن ضوابط الدين في العوائل والجمعيات وغيرها، طريقٌ حتمي لما انتهت إليه المجتمعات المنفلتة المتهتّكة.

المقدمات المنتجة تنتج في لندن ونيويورك وفي واشنطن، وتنتج على حد ما تنتج هنا في البحرين وفي مكة.

ماذا تغير من عنف السلطة؟

ماذا تغير من عنفها؟ من ظلمها؟ من استئثارها؟ من كل الأسباب والخلفيات التي انطلق من أجل التخلص منها الحراك السلمي في البحرين؟

الكل يعرف أنه لا شيء وأن الأوضاع تصير إلى الأسوأ مما لا يعني أن المطالبة بالإصلاح والتغيير لابد أن تستمر وأن تشتد.

الرموز العلمائية والسياسية ثلاثة عشر وهم أبطال من أبطال الحراك الشعبي الإصلاحي لا يزالون يُقبرون أجساداً في غياهب السجون وإن كان صوتهم المنطلق من أجل حرية شعبٍ كامل، وأمة كاملة يخترق كل الجدران والسدود ويغذي الحركة المطلبية بالقوة وروح الصمود، ومكانهم ليس هو السجن لو كان عدلٌ ودستورٌ يُعمل به، وقانونٌ يُحترم ودينٌ يُقدّر وقيمٌ عالية يُحسب لها حساب.

وأعدادُ السجناء والمعتقلين في تزايدٍ مستمرٍ وتدّفقٍ دائمٍ على السجون والمعتقلات التي صارت تضيق على كثرتها بالألوف البريئة من أبناء هذا الشعب المظلوم، والذنب واحد وثابت وهو المطالبة بالإصلاح والتحرك السلمي في سبيله، ولا مكان لهذه الألوف في السجن، وإنما مكانهم مقاعد الدراسة وميادين العمل المنتج لخير هذا الوطن المختلفة لو كان عدلٌ ودستورٌ يُعمل به وشيءٌ مما مرّ ذكره.

الشهداء يتساقطون بين شهيدٍ تحت التعذيب، وشهيدٍ بفعل الرصاص الحي، وشهيدٍ بتأثير الغازات السامة، وشهيد تصفية بسلاح الشوزن، وتتعدد الأسباب والظلم واحد والإستخفاف بحرمة الدم مشتركة في جميع الحالات وروح الانتقام من هذا الشعب ثابتة وآلام الشعب تتراكم وتضحياته تتضاعف على الأيام.

ولكن صبره يشتدّ، وعوده يقوى، وعزمه في مضيٍ وقوةٍ على طريق الإصلاح، وروح التغيير والإصلاح فيه تتصاعد.. ورحم الله جواداً وهو الملّقب بالحاوي وكل من مضى على طريق العزة والكرامة والحرية وانتصر للعدل وضحى من أجل الحق والدين.

الوطن غارقٌ في عديدٍ من الأزمات والأساس فيها أزمة سياسية سيئة حادة ثقيلة ما لم يتم الخروج منها فلا حلّ، والأزمات في استمرار وتزايدٍ ما دامت هذه الأزمة مستمرة، ولا مخرج للوطن منها ومن غيرها من الأزمات إلا بالإصلاح الصادق القائم على أساسٍ ثابتٍ متين من هذا الأساس دستورٌ عادلٌ من إرادة الشعب الذي عليه أن يحسن إرادته في اختياره لطريق حياته والمصير الذي يريد أن يصير إليه، والسلطة تعاند وتعاند وتستمر في عنادها وتصلبها وترفض فكرة الإصلاح أو تريد من الإصلاح ما هو أسمٌ من غير مسمى ولا حقيقة، ولكن كل شيء يقول للسلطة بأن هذا العناد لابد أن يكون إلى حدّ، لابد أن ينتهي إن أرادت أم لم ترد، وبعد قدر الله سبحانه الذي لا يرّده راد يأتي دور إصرار الشعب على مسيرته السلمية في المطالبة بالحقوق، وقد أثبت هذا الشعب بأنه شعبٌ لا يركع ولا يُستغفل ولا يُغرر به وأنه لن يعود من حراكه من دون أن يتحقق الإصلاح والتغيير، ولو عدنا لعنف السلطة وإستمراره وتصاعده لأعطتنا واحدة من مظاهره صورةً على أن البحرين لا تعيش حراكاً سلمياً وإنما تخوض المعارضة فيها وبكامل فصائلها ومكوناتها ضد الدولة ثورة دموية عارمة وحرباً قتالية هامة – عندما تجد كل مظاهر العنف من قبل الدولة لا تحسب نفسك أنك في بلد يعيش حراكاً سياسياً سلمياً، بل كأنك في بلد يعيش في ثورة سلمية عارمة -.

فإن هذه الأعداد من السجناء والمعتقلين وتزايدهم وكثرة الأحكام المشددة لعشرات السنين وعلى مجموعات كبيرة وبصورة غير متقطعة إنما يناسب أجواء حربٍ دموية وثورة عنفٍ وإرهاب من النوع الثقيل ولا يناسب حراكاً سلمياً ومظاهرات ومسيرات سلمية.

وهل كل هذه الألوف من السجناء والمعتقلين وهذه الدفعات المستجدة للسجون في استمرار منهم، كلّهم إرهابيون؟ وكلّهم قتلة؟ وكلهم أصحاب مؤامرات خطيرة؟ واحد، اثنين، عشرة، عشرون؟.. قل عنهم إرهابيون، أتقول عن مئات الألوف في هذا البلد الصغير، من هذا الشعب القليل العدد، أتقول عن مئات الألوف بأنهم كلّهم إرهابيون؟ كل هذه الأعداد الضخمة من هذا الشعب القليل العدد هم كذلك؟

سلطة الأمن والسلام:

تقول السلطة في البحرين عن نفسها أنها سلطة للأمن والسلام، ولكن ما على الأرض يشهد بأن السلطة لم تبقِ للمواطنين سلاماً ولا حرمة. إنه إذا كان مئات الألوف من هذا الشعب القليل في عدده من أبناء المعارضة مواطنين فإن السلطة لم تبقِ لمواطنيها سلاماً ولا حرمة.

لا سلاماً لما من حقه السلام، ولا حرمة لشيء ثابت الحرمة.. لم تبقِ حرمة دم، ولا مال، ولا عرض، ولا سمعة شريفة، ولا حرمة قرآن، ولا مسجد، ولا مقدسات عقائدية، ولا بيت، فماذا قد بقي بعد هذا كله من سلام ومن حرمة؟ الصدق أنه لم يبقَ اليوم للمواطن حرمةٌ في هذا البلد ولا سلام.

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى