الثلاثاء - 20 ذو القعدة 1440 - 23 يوليو 2019
جديد الموقع

الشيخ عيسى قاسم: لا شيء أهم من الإسلام

1. عظيم ما أعظمه، وإساءة قبيحة ما أقبحها، هي إساءة لمن زكّاه الله وقال عنه عزّ وجل:{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى.. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}. رجل لا يُجارى، ومثال إنساني لا يُلحق.

المسلمون العظماء عندهم كُثر، وكل أنبياء الله ورسله عظماء عندهم ولكن لا عظيم عند المسلمين كرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وفي الغرب من يجهل، ومن لا يجهل بأن ملايين المسلمين يبذلون نفوسهم رخيصة فداء لحرمة رسول الله صلى الله عليه وآله وكرامته. فلماذا الإساءة؟ قد تكون الإساءة من جاهل، والجاهل يحتاج إلى تعليم، وقد تكون هذه الإساءة من عالم بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله في هذه الأمة التي تقترب في عددها من المليار ونصف مليار، وليس العبرة بالعدد بقدر ما تكون العبرة بسموّ المعنى، وهذه الأمة هي الأمة الوسط.

إذا كانت إساءة العالم بما عليه مقام رسول الله صلى الله عليه وآله في قلوب المسلمين ونفوسهم للاختبار، فمن المختبر؟ إذا كانت الاختبار للحكومات، فالحكومات قد اختبرها الغرب منذ بعيد، فوجد أكثرها ناكصة عن الإسلام مستخفّة به. وكثيرٌ من المسؤولين يضربون المثل السيء، ويُعطون نماذج من الإساءة للإسلام أمام كبار الغربيين وصغارهم. وإذا كان الاختبار للأمة فإن الأمة لم يمر عليها يوم من الأيام قد هان عليها رسولها الكريم صلى الله عليه وآله وسلم(16).ولن يأتي يوم إلا وملايين المسلمين مستعدّة بكل جدّية أن تُعطي أرواحها ولو كان عندها ما هو أغلى من الروح لأعطته لمقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وحقّ لها أن تفعل لأنّها لن تبقى بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبانفصالها عنه إلا جسداً كجسد الكلاب.

2. وإذا كانت هذه الهجمة السخيفة لهزّ قدسية رسول الله صلى الله عليه وآله، قدسية القرآن الكريم، قدسية الإسلام في نفوس المسلمين فإنّ الوعي الإسلامي، والصحوة الإسلامية، ومصادر الفكر الإسلامي، ومنابع الهدى الإسلامي ستحول بكلّ تأكيد بين ما يريد الغرب من هذا الأمر وبين أن يكون. لا يمكن أبداً وعلى الإطلاق أن تهتزّ قدسية رسول الله صلى الله عليه وآله، قدسية القرآن، قدسية الإسلام في نفوس أهل الصحوة، وأهل اليقظة، وأهل الضمير الحي، وأهل الرؤية الكونية الفسيحة، وأهل الإنسانية المتوثّبة.

أما المظاهرات والمسيرات والمقاطعة التجارية فهي من ردّ الفعل المخفِّض. وقد أتى الرد على هذا المستوى من صفوف شعوب الأمة، والرأي – وإن كان هذا الردّ مخفِّضاً – عدم التجاوز لأن القصد ليس إشعال حرب الحضارات، وإنما القصد أن يبقى السبيل سالكاً لأن تسمع الدنيا كلمة الإسلام، وشيئا عن عظمة رسول الله صلى الله عليه وآله، وأجواء السلم دائما أكثر عطاء في هذا المجال من أجواء الحرب.

ولكن ننبّه أن السلم والأمن المحلي والإقليمي والعالمي يمتلك قيمة عالية في الإسلام، ولكنّه إحدى القيم، والعدل قيمة، والعفّة قيمة، والكرامة قيمة، والقيم – على قدسيتها جميعا – تختلف درجات، والمسلم وهو يحترم الأمن في وطنه، وفي إقليمه، وفي أمته، وفي العالم، ويسعى لتركيزه وتأكيده وتثبيته، ويقدّره كل التقدير، ويضحّي من أجله، لكنه مع كل ذلك يضحّي به من أجل الإسلام سواء في وطن أو في إقليم أو في إطار الأمة أو في إطار العالم كلّه.

فحين يرفع المسلم شعار الأمن والسلام، ويؤكِّده فهو لا يعني أبداً أنّه مستعدٌّ في أي لحظة من اللحظات أن يتنازل عن إسلامه، وأن يضحّي بإسلامه، وأن يلغي إسلامه، وأن ينفصل عن إسلامه من أجل أي سلام. ولا سلام في الحق، ولا أمن في الحق في أي أرض، وعلى أي مستوى من المستويات لو ذهب الإسلام، وقيم الإسلام.

إنّ هناك تزاحماً بين القيم، وهو الأصل في التزاحم بين الأحكام الشرعية، ودائماً التقديم في التزاحم للأهم، ولا شيء أهم من الإسلام أصله وجوهره على الإطلاق. الهجمة حرية تعبير أو حرية تهريج وهراء وهذيان؟ هي من الثاني وليست من الأول. وإذا كانت التصفية الجسدية لشخص لا تدخل في الحرية فكيف بالتصفية المعنوية لأمة بكاملها، ولشخصيات ربانية على مستوى شخصيات الأنبياء، وخاتمهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؟!

وإذا كان باب التهريج مفتوحاً على مصراعيه ويُمثّل قيمة عالية عند الغرب باسم حرية التعبير فليعرفوا أنَّ المقدسات الحقيقية لأمّتنا لا تعادل قيمتها عندنا قيمة، ولا يمكن التنازل عنها. مقدّسك الوهمي السخيف قائم، ومقدّسي الحقيقي الأصيل يسقط؟ لا يكون.

وأين حرية التعبير من أمور كثيرة، وما مسألة حكاية محرقة اليهود إلا واحد منها، وقد تنازلت عنده حرية التعبير في الغرب، وغلبت قدسيته قدسية حرية التعبير عندهم. وإذا كانت الصهيونية العالمية يُسعدها اشتعال حرب حضارية طاحنة بين الغرب والمسلمين فإن على الغرب أن يحترس من ذلك لأن الخسارة ستكون شاملة وفادحة وكاسحة لو اشتعلت هذه الحرب ولن تخص المسلمين وحدهم.

وإن ما ذهب إليه الكثيرون من لا بديَّة حماية قانونية دولية تعمل عليها الدول الإسلامية لحماية الأديان السماوية من تطاول السفلة والمفسدين وأصحاب الأقلام الرخيصة لهو أمرٌ حقٌّ ويجب التركيز عليه، والدفع في اتجاهه. وأُنبّه أنه كما هوت المادية السقيمة بإنسان الغرب وأفقدته أخلاقيته واتّزانه، فهان عليه أن ينال من أقدس المقدسات، فقد بدأ هذا السقوط في الساحة الإسلامية بالنسبة لبعض من يُسمّون أنفسهم مسلمين ويسعون دائماً للنيل من المقدّسات، ويتطاولون على الأمة. وعلى الأمة أن تحمي نفسها من مثل هذه العناصر السيئة البغيضة.

وما الذي يساعد ويجرّئ غير المسلمين كثيراً على الإسلام؟ متطرّف لا يحترم الآخرين، ويسل السيف في غير موضعه، ويطلق لسانه بالسب والشتم؟! ومتهاون لا يقيم للإسلام وزناً أمام الآخرين؟! ويكثر هذا الصنف في مسؤولي الأمة وحكّامها. اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. اللهم نوّر قلوبنا بمعرفتك، وأحيها بذكرك، وآنسها بمناجاتك، واجعلنا من أهل محبتك، والصادقين في طاعتك، والصالحين من عبادك، ولقّنا خير الدنيا والآخرة، واكفنا شرّهما ياكريم يارحيم، يارب العالمين. إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}

خطبة الجمعة"الثانية" 18محرم 1427هـ 17 فبراير 2006م
موقع البيان

اضف رد

إلى الأعلى