الجمعة - 16 ذو القعدة 1440 - 19 يوليو 2019
جديد الموقع

آية الله قاسم: إساءةٌ أقسى من حرب – إمَّا وإمَّا – عامٌ دراسيٌّ جديد

آية الله قاسم: إساءةٌ أقسى من حرب – إمَّا وإمَّا – عامٌ دراسيٌّ جديد
خطبة الجمعة (520) 26 شوَّال 1433هـ / 14 سبتمبر 2012م ـ جامع الإمام الصادق (عليه السلام) بالدراز.

أمَّا بعد أيُّها الاحبَّةُ في الله فإلى أكثر من عنوان:
إساءةٌ أقسى من حرب:
تكرَّرت وتكثَّرت إساءاتُ الغرب للإسلام والرسول -صلَّى الله عليه وآله- والكتاب العزيز, لكنّ إساءةً كالإساءة هذه المرَّة لشخص الرسول –صلَّى الله عليه وآله- قد يكون أنَّها لم تُوجَد الصورة والكلمة والمشهدُ بكلِّ ما فيه في هذه الإساءة تمزِّقُ قلبَ المسلم وتؤلم ضميره وتفقده حتَّى التوازن وتطلق حالة الغيظ والغضب عنده حتَّى النهاية وتزرع في نفسه اليقين بهَوْل ما عليه حالة الحقد والبغضاء والعداء الذي تعيشه بعض الجهات في الغرب للإسلام ورغبة القضاء عندها عليه وعلى الأمَّة المسلمة.

الإسلامُ يُجلُّ المسيحَ عليه السلام عن كلِّ دناءة وينزِّهه عن كلِّ ما يمسُّ بالعصمة, والمسلمون مع إسلامهم في ذلك, ولا يمكن أنْ تمرَّ كلمةٌ على لسان مسلمٍ تنالُ من قدسيَّة المسيح عليه السلام أو أيِّ نبيٍّ من الأنبياء, ولكن لو زلَّ لسانُ مسلمٍ بكلمة سوءٍ تحطُّ من قدر النبي عيسى عليه السلام لكانت ردَّة الفعل المسيحيِّ العالميِّ قاسية ولشاركت الحكومات الغربيَّةُ والعلمانيَّةُ في الردِّ القاسي على هذه الكلمة وإنْ لم يكن من منطلق الدِّين وإنَّما من منطلق السِّياسة.

ولا عجب أنْ تكون ردَّاتُ الفعل على الإساءة لأيِّ دينٍ من أهله غير محسوبةٍ ولا مُتوقَّعة وخارجةً عن الحدود أحياناً لأنَّه لا أعزَّ على نفس متديِّنٍ من دينه, ولا يُمَسُّ شعوره بالإهانة والجرح الحادِّ العميق كما يُمَسُّ عند الإهانة للدين.

إنَّه لو سادت لغة الإساءة وأساليبها المختلفة وبالدرجة الهابطة التي لا أهبط منها كما كانت عليه الإساءة الأخيرة للرسول الخاتم -صلَّى الله عليه وآله- على مستوى أتباع الأديان والمذاهب لاحترقت الأرض ومن عليها ولم يجد أحدٌ أماناً في الأرض.

وإذا كان ساسة الغرب ومن كان سفيهاً من أبنائه لا يعرفون ذلك بل لا يتيقَّنون فذلك جهلٌ أيُّ جهل وغباءٌ أيُّ غباء. وإذا كان وراء هذه الإساءات القذرة المهينة استخفافٌ بالمسلمين فليكن استخفاف الغرب -إذا أراد ذلك- بحكوماتٍ كثيرة تحمل اسم الإسلام ليكون استخفافه صادقاً, أمَّا استخفافه بالأمَّة المسلمة فليس وراءه إلَّا الجهلُ والوهم والغرور, فإنَّ هذه الأمَّة لا زالت أعزَّ من أنْ يُسْتَخَفَّ به, وهي مصرَّةٌ على العزَّة والكرامة, ثمَّ إنَّه لأعزَّ عليها من دينها ولا تتقدَّمها أمَّةٌ في الاعتزاز بالدِّين [1].

وحين يعطي الغربُ الضوء الأخضر لكلِّ ساقطٍ أنْ يسيء للإسلام أو غيره من الأديان باسم حريَّة التعبير كما تتذرَّعُ بذلك وزيرة الخارجيَّةِ الأمريكية فذلك ما يعني بالضبط فتح الباب على مصراعيه لتجالد سكَّان الأرض من كلِّ أتباع الأديان ونشر حالة العنف والإرهاب والفوضى الأمنيَّة في كلِّ الأقطار والشُّعوب.

إنَّ موافقة الغرب على إهانة الأديان تعني أنَّهُ يتبنَّى قضايا العنف والإرهاب في أوسع صورها وأشدِّها إهلاكاً للنَّاس. إنَّه لا وسيلة لتعميم حالة الإرهاب والعنف المنفلت أسهلُ وأكثر فاعليَّةً من هذه الوسيلة, والسياسة الغربيَّة لا تسكت عليها فحسب وإنَّما تحميها وتدافع عنها.

لا يحلُّ للشارع المسلم أمام الإساءة الفظيعة للرسول الكريم –صلَّى الله عليه وآله- التي لا يحتملها قلب مسلم إلّا أنْ يتفجَّر غضبه ولا يُرتقبُ منه غير ذلك لأنَّ سكوته يُعَدُّ اشتراكاً في الجريمة [2].

كلُّ البلاد المسلمة يجب أن تدوِّي صرخاتُ الإنكار في أجوائها لهذه الجريمة وأينما وُجِدَ مسلمٌ في الأرض وجب عليه إنكارها ما استطاع, بل إنَّهُ لمن الصحيح جدَّاً أن يشارك الأخوة المسيحيُّونَ المسلمينَ في احتجاجهم الغاضب على مثل هذا التجنِّي السَّافل ولو لما يؤدِّي إليه السكوت من تقويض الأمن في الأرض وسقوط هيبة كلِّ الأديان.

لا ندعو إلى أنْ يذهب ردُّ الفعل إلى العدوانيَّة وأخذ البريء بالجاني ولكن لا بدَّ من أنْ يأخذ الردُّ الفعليّ طابعاً جديَّاً وصورةً مؤثِّرة وحالةً عامَّةً واسعة تشمل الأمَّة المسلمة كُلَّها.

وتبقى الحكوماتُ المسلمة هي المسؤول الأوَّل والأقدر على إعطاء ردِّ فعلٍ رادعٍ من غير حاجةٍ إلى مواجهاتٍ مسلَّحة وفتح أبواب الحرب, ولكن كلُّ شيءٍ ممَّا بِيَدِ أكثر هذه الحكومات إنَّما هو من أجل حماية الكرسيّ لا حماية الدِّين والأمَّة والكرامة والمقدَّسات.

إمَّا وإمَّا:
التخيير الذي خُوطِبَت به الوفاق ليس لها وحدها, إنَّه لها ولجماهير الشارع العريضة التي تندِّدُ بسياسة السُّلطة وتطالب بالإصلاح ولكلِّ ناطقٍ بكلمة حقٍّ في هذا المجال -وهذه الجماهير تُعَدُّ بمئات الألوف ; فالتخيير هنا لمئات الألوف من أبناء الشَّعب البحريني-.
الكلُّ مُخّيَّرٌ بين السكوت على سلب الحقوق والتهميش وحالة الازدراء وسحق الإرادة, أو مغادرة هذه الأرض المملوكة للسُّلطة أصلاً والشَّعبُ ضيفٌ عليها أو وافدٌ مستجيرٌ بها [3] .

عليك إذا فكَّرت أنْ تستمسك بحقِّك, أنْ تُطالب بكرامتك, أنْ تعتزَّ بحريَّتك أنْ تبحث عن كوكبٍ آخر ترحل إليه, ولا كوكب آخر يصلح لحياة الإنسان حسب الاكتشاف العلميّ لحدِّ الآن ; فالمعنى: أنت مُخيَّرٌ بين أنْ تسكت أو تموت [4].

الممنوع عليك كلُّ أرضٍ لا أرض البحرين فقط لو فكَّرت في أن تعبِّر عن رأيك في سلميَّةٍ وتحضُّر, ولا أدري من أين هذه السعة في القدرة التي تلاحق المواطن البحرينيَّ في كلِّ الكرة الأرضيَّة ومن أين هذه السعة في الملك الذي يشمل كلَّ الدنيا حتَّى لا يحقّ للبحرينيّ أنْ يجد مأوىً في أيِّ بقعةٍ من بقاعها ولا يسعه إلَّا أنْ يرحلَ إلى كوكبٍ آخر لا مكان للحياة فيه.
"تأدَّب كما أرى لك, وكما أفرضُ عليك, وكما يوافقُ مزاجي, وكما أشتهي لك أنْ تقول, واخضع وذُلَّ واستكن وإلَّا فارحل", كلامٌ لا يُقالُ لضيفٍ ولا وافد فكيف يُقالُ لجماهير شعبٍ هي امتدادٌ لآباءٍ وأجدادٍ عاشوا على أرض هذا الوطن على مدى قرون وتصبَّبواعرقاً وشخبت أوداجهم دماً ; للحفاظ على هذا الوطن وحريّته وكرامته ودينه من أجل بناء أمجاده وعمارته؟

كيف تُخاطب السياسة الداخليَّة أبناء بلدها الذي تحكمه والشعب الذي لا شرعيَّة لها بدون موافقته كما يقول إعلامها, بهذه الكلمة الهازئة للشعب المستخفَّة به, المحتقرة له, المُستعلية عليه, تقولها صريحة وعلى مسمع الدُنيا كُلِّها وتنكر على الشعب بذلك أنْ يطالب بالتغيير والإصلاح.

السياسة التي تقول لي: اخرج, تقول لمئات الألوف: اخرجوا إنْ لم تخضعوا, كيف لا يُطَالَبُ بإصلاحها؟ وكيف لا تستحي السياسة أنْ تكشف عن مدى استخفافها بالشعب وهوانها عليها واعتباره أقلَّ من وافدٍ لاجىء حسب ما تفصح عنه هذه الكلمة التي واجهت بها العالم.

عامٌ دراسيٌّ جديد:
عامٌ دراسيٌّ جديد يُرادُ له أنْ يدفع بالمستوى العلميّ التربويّ لطلَّاب هذا الوطن كلِّهم للأمام تمهيداً لتقدُّم مستوى الوطن والأمَّة, وأنْ يرعى شخصيَّة الطالب بكلِّ أبعادها, ويحمي إنسانيَّته من الانحدار ويرتفع بها إلى أفقٍ رفيعٍ من خلال بُعْدَيْه العلميّ والإيمانيّ, والاحتذاء بهدى الشريعة, هذه هي ووظيفة التربية والتعليم التي تصبُّ في مصلحة الإنسان والأوطان.

ونجاحُ التربية والتعليم يعتمد على عوامل عدَّةٍ: سلامة القصد, وسلامة المنهج, وحسن الإدارة, وأمانة القائمين عليها وكفائتهم, وقدرة الأستاذ وجديَّته وإخلاصه, وعدالة التقييم وموضوعيَّته, وجدِّ الطالب وأمنه وانفتاح أمله وفتح الفرص المستقبليَّة أمامه.

وكلُّ ذلك مرتبطٌ بالعدل السياسيّ, والاستقرار السياسيّ, واستقامة السياسة, فأمن الطالب مثلاً لا تُحقِّقهُ عسكرة المدارس والجامعات وإنَّما الذي يحقِّقه وضعٌ سياسيٌّ عادلٌ مرضيٌّ هادىء يسود أجواء الوطن كلِّه ويدخل الطمأنينة على نفس كلِّ مواطن.

وإنِّي لأنطلق بالدعوة الجادًّة إلى الطلَّاب عامَّة بانْ يكون عامهم الدراسيُّ هذا وكلُّ حياتهم الدراسيَّة حياة جدٍّ واجتهاد من أجل تحقيق أعلى مستوى علميٍّ ممكن من أجل نهضةٍ شاملةٍ تعمُّ بخيرها الجميع, وإلى أنْ يُتَمَسَّكَ بقيم الدِّين وأحكام الشريعة المقدَّسة لخلق أجواءٍ تربويَّةٍ نظيفةٍ راقيةٍ في كلِّ المدارس والمعاهد والجامعات تنأى بالأجيال النَّاشئة والشبابيَّة عن كلِّ المنزلقات وتتيحُ لها فرصة النموِّ العلميِّ والروحيِّ والنفسيِّ والعمليِّ السليم, وإلى أنْ يكون العام عام ترميمٍ للعلاقات بعد تصدُّعها, ولمِّ الشَّملِ بعد تفرُّقه, عام الأخوَّةِ الإسلاميَّة والأخوَّة الإنسانيَّة والوطنيَّة بين كلِّ الطلَّابِ والتي قد ضُيِّع حقُّها, عام محبَّةٍ وودٍّ واطمئنانس وتفاهم.

مطلوبٌ من كلِّ الطلَّاب والطالبات أنْ لا يسمحوا للأجواء السياسيَّة السلبيَّة أنْ تلقي بظلالها الثقيلة على العلاقات بينهم, وأنْ تكون علاقاتهم إيجابيَّةً لتكون جزءاً من الحلّ لا متوتِّرةً وسلبيَّة فتكون جزءاً من المشكلة.

—————–
[1] هتاف جُموع المصلِّين: "لبَّيكَ يَا مُحَمَّد".
[2] سماحة الشَّيخ: "سكوت المسلمين, عدم إعطاء ردَّة فعلٍ مناسبة يعني اشتراكاً منَّا في الجريمة".
هتاف جُموع المصلِّين: "الموتُ لأمريكا" و" الموتُ لإسرائيل".
[3] هتاف جُموع المصلِّين: "هيهات منَّا الذِّلَّة".
[4] هتاف جُموع المصلِّين: "لنْ نركع إلَّا لله

اضف رد

إلى الأعلى