الثلاثاء - 20 ذو القعدة 1440 - 23 يوليو 2019
جديد الموقع

سلمان : حبّ التمسك بالسُّلْطَة

خطبة الشيخ علي سلمان بتاريخ 30/5/2008م

أعوذ بالله من الشيطان الغويّ الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ وسلّم على محمّد وآله الطّيبين الطاهرين، واللّعن الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.
السلام عليكم جميعًا ورحمة الله وبركاته.

* الكيان الصهيوني
الأحداث التي تمرّ بالعالم والمنطقة متعدّدة، وكبيرة، وسنحاول أنْ نختار من هذه الأحداث ما يحمل نوعًا من الدلالات الفكريّة والسياسيّة التي تترك تأثيرًا في حالة وجودها، أو في حالة غيابها.
يحاول الإنسان أنْ يتجنّب ذكر الكيان الصهيوني في غير صيغة المواجهة، وصيغة الاعتداء التي يشكّلها محور هذا الكيان في وجهة نظرنا، بمعنى أنّ هذا الكيان 90% منه هو حالة من الاغتصاب والظلم، اغتصاب لأرض أناس آخرين، وطرد هؤلاء الناس، والاستمرار في قتلهم، والاستمرار في حرمانهم من حقوقهم، فهي حالة من الظلم الشديدة الوضوح، والظلم المحض.
وينشأ من هذه حالة من المواجهة بين أصحاب الحقّ وبين الظالم، وعادة ما نطرح الموضوع الفلسطينيّ في هذه الصيغة، وهذا ما يجب بعض الأحيان.
إنّك لتجد نفسك بحاجة إلى تسليط الضوء من جانب آخر، وهو حديث اليوم.
إنّ الكيان الصهيونيّ بتقرير عدد من المراقبين، وورود هذا على لسان مترشح الرئاسة الأمريكيّة بأنّه يمرّ في وضع صعب، ووضع خطر من تأسيسه حتى الآن بعد هزيمته الأخيرة في لبنان.
* للعمامة دلالات والتزامات
لهذه العمامة دلالات، وعلى لابسها التزامات، فمن التزامات هذه العمامة أنْ يضع الإنسان نفسه في خدمة هذا الدّين، وأنْ يسير على سيرة رسول هذه الأمّة (صلى الله عليه وآله)، وأنْ يبذل كلّ ما يستطيع في ذلك، وإذا أراد أنْ يركن إلى الدنيا، أو الرّاحة، أو أنْ لا يجعل من حياته وقفًا على ذلك، فمن الأنسب أنْ يترك هذه الشعيرة، أو يترك هذا الشعار إلى مَن يستطيع أنْ يلتزم بمتطلباته.
نسأل الله سبحانه تعالى أنْ يعيننا على السير على خطى نبيّ هذه الأمّة، وأنْ لا يفتننا في الدنيا بما يحرف العمامة، ويحرف الهدف، ويحرف الخطّ عن تحقيق رضا الله سبحانه وتعالى، فهذه أمانة تعجز عن حملها – والله- الجبال، ولكن ما يجعل الإنسان يكمل هذا الطريق خوفًا من أنّه يخرج بهدف الرّاحة، أو الاسترخاء عن أداء الواجب بعد أنْ حمّله الله سبحانه، أو تحمّل هو بعض هذا الواجب في فترة من حياته، ولذا فمن الله سبحانه تعالى نسأل العون، والتسديد، ونسأله الرضا.
* الهزيمة الكبرى للكيان الصهيوني
لا شكّ أنّ الكيان الصهيونيّ يمرّ بالهزيمة الكبرى الأولى، فهو قد انتكس في عام 1973م في الأيام الستة الأولى، وانهارت أحد خطوطه العسكريّة الرئيسيّة في خطّ بارليف، وتقدّم الجيش المصريّ إلى سيناء، ولكنّه بمعونة أمريكيّة قد استطاع أنْ يرّد الهزيمة العسكريّة في الأيام التي بعدها بسبب أخطاء عسكريّة عربيّة، وبسبب معونة أمريكيّة، وبسبب إجادة عسكريّة من قبل المقبور بين الحياة والموت شارون فيما عرف بفتحة الدفرسوار في حرب 73، واختراق الجيش الصهيونيّ للجيش المصريّ في حرب تموز الأخيرة.
تلقى هذا الكيان هزيمة فاجعة، وهذا الكيان عنده نقاط ضعف تعرّضنا لها كثيرًا، ولكنّ أحد نقاط الضعف الأساسيّة والتي تبرز على أنّه كيان قائم على القوّة، دمويّ حتى النخاع في الوقت الذي لا يستطيع أنْ ينتصر بقوته، ولا يستطيع أنْ يقتل بمعنى أنّه يفقد مولّد الحياة فيه، مولّد الاستمرار فيه، وكأنّه يعيش على مضخة دم، ومضخة هيمنة، ومضخة عدوان، فإذا توقّفت هذه المضخة عن العمل فإنّه يسقط هذا الكيان.
هناك كلام يجري على لسان جولدا مائير، أو على لسان مؤسس الكيان الصهيوني – الآن لا تحضرني الذاكرة- بأنّ هذه الهزيمة كانت تضرب في هذا المكان، هذه الهزيمة كانت تقول بأنّه أنت من الممكن أنْ تهزم، أنْ توقف آلتك العسكريّة عن العمل، ويمنع عدوانك من التعدّي.
* رمزية حرب تموز
إنّ الكيان الصهيوني يعاني من مشكلة جدية.
صحيح أنّ هذا لا يعني أنّه على وشك الهاوية بهذا المعنى، ولكن هناك تسألات كبيرة تثير، فهذه الهزيمة في نظرنا يوجد فيها ما تشير إلى حقائق هؤلاء.
فهناك مجموعة من الناس، ثلّة من الآلاف، وعدد يبلغ عشرات الآلاف في تلك اللحظة الحاسمة استطاعوا أنْ يلحقوا بالعدو شرّ هزيمة.
ماذا إذا كان هناك جيش عقائديّ منظمّ قادر ليس فقط على الدفاع وإنّما قادر على التّقدّم، ماذا إذا حدث هذا في سوريا، أو في الأردن، أو في مصر؟
ماذا إذا حدث واقتحمت هذا المكان، فإنّه ينتهي الكيان الصهيونيّ، والمشروع ينتهي.
ماذا يحدث إذا عاد المشروع، وانتقل إلى مصر؟
ألا تصبح مصر تحت الاحتلال؟
* أمريكا في العراق
لقد جاءت أمريكا إلى العراق، فأصبحت العراق تحت الاحتلال، وماذا سيحدث؟
سيستمر العراق، وسيقاوم الاحتلال بصور مختلفة سياسيّة، أو عسكريّة بغض النظر عن موقفنا من هذا الموضوع إلى أنْ تخرج أمريكا من العراق مذلولة في يوم من الأيام، فهل في هذه السنة أو بعد خمسين سنة؟
لن تغيب العراق، ولن تنزاح العراق من على خارطة العالم، وستبقى العراق كما بقت الدول العربيّة تحت الاحتلال مائة سنة، أو وثلاثين سنة كاالجزائر؟
هذا الكيان لا بمجرد أنْ يهزم عسكريًّا انتهى.
ولم يعد، ولن يعد شيئ يسمى بعد الهزيمة العسكريّة، وليس هناك شيئ يسمى بعد ذلك باحتلال وتحرير، بعد ذلك سيكون هناك خياران، وسيعتمد فيه على المنتصر، ومَن سيكون المنتصر؟ الله العالم!
* تقرير فينوا غراد
خرج الغاصب الصهيونيّ من أكبر هزيمة أقرّ فيها من خلال تقرير (فينوا غراد) حيث جاءت الهزيمة على لسان الخبراء، وجاءت على لسان المرشح للرئاسة الأمريكيّة عن الحزب الجمهوري بالرغم من هذا الوضع فإنّ في كل دولنا العربية تأتي عبارة إنّنا نمرّ في وضع استثنائيّ، وفي وضع خطير، وفي وضع لا يحتمل المساءلة، وتبرّر في هذه اللحظة الديكتاتوريّة، واستمرار الديكتاتورية، ومصادرة حقوق الإنسان، وإلغاء المشاركة السياسيّة.
إنّ هذا الكيان يقول: إنّ له سيرة أخرى تحت هذه الهزيمة، فهناك تقرير يحمل المسؤوليّات، وعلى ضوء هذا التقرير قد استقالت عدد من الشخصيات المهمة من هذا الكيان، وترنّح رئيس الوزراء على المنصب السياسيّ بصفته مسؤول سياسيّ عن القرار، وبصفته مشارك في القرار العسكريّ، ووصلت الأمور إلى درجة أنّه كان من الممكن أنْ يسقط بعد هذا التقرير إلا أنّ هناك طبائع في رئيس الوزراء الحالي، وهذه طبائع ليست مختصة برئيس الوزراء، وهي طبائع حبّ التّمسك في السلطة، وهي صفة منتشرة في كلّ مكان كأمريكا، وروسيا، بل وفي كلّ العالم الديمقراطيّ وغير الديمقراطيّ.
* حبّ التمسك بالسُّلْطَة
إنّ العقل قد حدّد لهذه الخصائص في الدول الديمقراطيّة أجندة، وأوجد لها نظامًا لا يجعلها تستشري وإلا لو كان للرئيس الأمريكيّ طريقة لحكم أكثر من ثماني سنوات، ولقام بعملها.
فهذه الطموحات تناغي قلوب هؤلاء ولكن أصبحت هناك أعراف ديمقراطيّة، وصارت قوّة حاكمة بحيث لا تسمح لهؤلاء النّاس في أنْ يلبّوا هذا الطموح وإلا فهو موجود.
إذا كان ذلك فهو موجود بلا أدنى إشكال وستصبح هناك تربية في الحياة الديمقراطيّة من خلال المشاهدة وستخفف من هذا الأمر، وستجعل قيمًا أخرى محل الاحترام، ولكن هذه حالة موجودة.
فالرئيس الإسرائيلي تمسك بالسلطة بالرغم من مسؤوليّته الكبيرة عن الخسارة في لبنان.
* التحقيق مع أعلى السُّلطات
اليوم جاء عنوان آخر، وهو التحقيق مع أعلى سلطة سياسيّة في هذا الكيان تحت مسألة الفساد بعنوان: أنت تلقّيت أموالاً خارج إطار القانون؛ لتمويل الحملة الانتخابيّة.
أنا لست مطلعًا عن الموضوع بالتفصيل ولكن ما يهمني في هذا الموضوع هو أنْ أستخلص هذه العِبرة، وهي: أنت متهم بفساد ماليّ! والكيان الصهيونيّ بلا أدنى إشكال يعيش مرحلة من المواجهة والتي لا تعيشها مصر، ولا سوريا، ولا الأردن، ولا أي دولة من الدول المواجهة فضلاً عن غيرها من الدول الأخرى.
لا أحد يعيش مثل هذه المحنة مثل الإسرائيليين، فلا التقارير العاقلة تتوقف، ولا تصحيح المسيرة يتوقف، ولا التوجيه الحاد يتوقف، وبعد ذلك لا أحد فوق سلطة المساءلة.
* نظام الأسباب والمسببات
إنّ الله سبحانه وتعالى ترك أمور هذه الحياة بدرجة أساسيّة للأسباب والمسببات، فقاعدة الأمر، وسنّة الأمر في الحياة هي الظروف الموضوعيّة حيث توفّر الأسباب، وإذا عملت في توفير أسباب النصر، فإنّ الله ينصرك، وإذا عملت على توفير أسباب الهزيمة، فإنّك تنهزم.
إنّ هذه السيرة في هذا الكيان الغاصب هي المسؤولة عن الانتصار على العرب، إذ أنّ هذا واحد من الأساسيات التي ينتصر فيها هذا الكيان الصهيونيّ على العرب، لأنّ العرب عندما حدثت هزيمة 48 لم يتم عمل أيّ تحقيق عن أسباب الهزيمة، وعندما حدثت نكسة 67 لم يحقّق أحد في أسباب النّكسة بشكل حقيقيّ وإلى هذا اليوم لا يرضون بأنْ يحمّلوا المسؤولية بشكل حقيقيّ.
* المشير والرئيس
فأنا الآن وفي طريقي للمسجد كنت أستمع للإذاعة، حيث استمعت إلى جدل في مصر بخصوص فيلم يسمى (المشير والرئيس)، ويقصد بالمشير (عبد الحليم عامر)، والرئيس يقصد به (جمال عبد الناصر)، والرقابة معترضة على بعض العبارات في الفيلم بخصوص مسألة وفاة المشير بأنّه هل مات منتحرًا، أم تمّ قتله؟
فلا أحد يرضى بفتح تحقيق حقيقيّ عمّن يتحمّل المسؤوليّة كاملة عن ذلك، وكيف نعالج هذه المسؤولية، ولن يحدث الانتصار في لبنان إلا لأن هؤلاء القوم قد ساروا على سيرة تحقيق العناصر الموضوعيّة للانتصار.
* انتصرت المقاومة رغم تواضع الإمكانيّات
نعم بفقر، نعم بإمكانيّات محدودة، نعم بكلّ هذا ولكنّهم بذلوا ما بوسعهم، فجعلوا لهم أجهزة رقابيّة تستطيع حمايتهم من أجهزة (الموساد) الإسرائيليّ، وأجهزة الـ(سي آي إيه)، وأجهزة الاشتراكيّة التي كانت ممثلة بالإتحاد السوفيتيّ في تلك الفترة، وهذا جزء، وقد جعلوا لهم تدريبًا محكمًا؛ كي يعرفوا طريقة القتال، واستخدام السلاح، وبذلوا ما بوسعهم، فالله سبحانه وتعالى مَنَّ عليهم بالنصر.
* تخلّف المستوى العربيّ
وهنا نقول: ليس عيبا أنْ يقف الإنسان على النقاط الايجابيّة في عدّوه، ويحترمها، ويعمل على الاستفادة منها لذلك، وهذا عكس ما يحدث في بلداننا العربيّة، ولذلك فإنّ هذه الأمّة – مع شديد الأسف – متخلّفة في كثير من الأشياء، فليست متخلّفة فقط في مواجهتها العسكريّة مع إسرائيل والكيان الصهيونيّ لا، لا بل هي متخلّفة في التّنمية، لماذا؟ لأنهّ لا أحد يستطيع أنْ يحاكم بشكل حقيقيّ رئيس وزراء لا في البحرين، ولا في غير البحرين عن مسألة التقصير الذي لم يتحقّق في التنمية في 22 دولة عربيّة، لا أحد يستطيع، ولا يوجد نظام يحاسب على هذا التقصير؛ لذلك يبقى المقصّر، ويستمر تخلّف التنمية.
* تجديد قانون الطوارئ في مصر
في نفس السياق، ومن زاوية أخرى تمّ إعلان تجديد حالة الطوارئ في مصر لمدّة سنتين، فلماذا تحكم مصر بحالة طوارئ، وبعشرات السنين؟!
أكبر مخزون بشريّ عربيّ يحكم بحالة الطوارئ، وتتجدّد فيها حالة الطورائ، وكل ما بين سنتين يصوّت مجلس الشعب المصريّ على هذه الحالة.
* مجلس الشعب المصريّ وليد إرادة الحزب الواحد
مَن هو مجلس الشعب المصريّ؟
هو اختلاق لنظام الحزب الحاكم، فمنذ أنْ تأسس هذا المجلس وإلى الآن وهو وليد إرادة الحزب الواحد، وهذه هي المشكلة الدائمة بأنّه لم يُعترف بإرادة أيّ شعب من شعوبنا العربيّة، فليس هناك اعتراف بإرادة الشعوب الآن؛ لذلك لا تعطى هذه الشعوب حقّ الانتخاب، وإذا أعطيت حقّ الانتخاب لا تعطي حقّ انتخاب حقيقيّ، فلا يوجد لا في المغرب ولا في غيرها من الدول العربيّة، ولا أحتاج للتعداد.
فالمجالس الموجودة في كلّ دولنا العربيّة لا تمثّل إرادة طبيعيّة وحقيقيّة للناس.
إنّ مجلس الشعب المصري يصوّت بتمديد حالة الطوارئ؛ لتكون الحرّيات في مصر مكبّلة!!
18 ألف مواطن مصريّ بتقريرات المنظمات الدوليّة هم من غير محاكمات، ومن غير توجيه تهم يعشون في السجون المصريّة!!
تأكدوا بأنّ بين حين وآخر تطفو على السطح بعض الفضايح، فقبل سنة تمّ تسليط الضوء على ذلك، لأنّ الأمريكيين كانوا وراء ذلك، وسلّطوا الضوء على مسألة التّعذيب في السجون المصريّة وأنّ عددًا من الأفراد يموتون في السجون، فليسوا من السياسيين وحدهم، بل حتى من النّشالين فإنّهم يموتون في السجون المصريّة من جراء الإهمال، والضرب، وعدم الرّعاية.
فهذه مصر، وهذا هو قانون الطوارئ.
* غارقون حتى النخاع في الطوارئ!
إنّ المنظومة الاشتراكيّة قد انهارت، ونشأت دول أوربيّة جديدة، وقد توسّع الإتحاد الأوربيّ، وأصبح 24 دولة، وأنّ العالم جاء بنظريات اقتصاديّة جديدة، وجاء بنظريات سياسيّة جديدة ونحن لا زلنا نجدّد حالة الطورائ، ونحن في أهم دولة عربيّة تقريبًا نقوم بتجديد حالة الطوارئ، بمعنى أن لا حياة طبيعية، ولا حياة سياسيّة طبيعيّة، ولا حرّيات طبيعيّة، ولا مشاركة فعليّة من المجتمع في صياغة واقعه سياسيًّا، واجتماعيًّا، وبعني ذلك بأنّنا تحت واقع قانون الطوارئ في البلاد العربيّة بأشكال مختلفة، وفي مصر بالذّات وبشكل واضح نحن تحت رحمة مجموعة من الديكتاتوريّة المتنفذة، وتحت وطأة تغييبٍ لطاقة الأمّة.
* التخلّف يكمن في الطوارئ
إنّني أقف مع نوع من الفلسفة في النظر إلى الأمور لأناقش باستخدام عبارات أدبيّة، وعبارات فلسفيّة في هذا المعنى، معنى تجميد هذه الأمّة وإلغائها من عمليّة البناء، والتنمية، وما شابه ذلك، وتسييرها إلى مقولة فرعون:﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾(غافر:29).
ستبقى الأمّة العربيّة متخلّفة نتيجة لقانون الطوارئ في مصر، ولفكرة قانون الطورائ في مصر المنتشرة في البلاد العربيّة.
* هل حقيقة أو مراوغة؟
في الأسبوع الماضي كان في حديث عن المدينة الشماليّة، وأنّ هناك أراضٍ قد وزّعت على بعض كبار المقربين، وتوالت التّصريحات الرّسميّة المنشورة والتي وصلت إلى النّواب، ووصلت إلى البَلَدِيِين بأنّ هذا الأمر ليس له أساس من الصحة، وأنّه لم يتم شيئ من ذلك، وبأنّه لم يكن في النية هذا الأمر، فأتمنى أنْ تكون هذه التّصريحات هي الحقيقة، وليست تصريحات مراوغة، أو تأجيل لموضوع، أو ما شابه ذلك.
* يجب متابعة تداعيات المنطقة الشماليّة
وأقول لنفسي بعد أنْ ابتلاني الله بهذا الموقع النّيابي، وأقول لإخواني في المجلس النيابيّ، والبلديّ: إنّه يجب متابعة هذا الأمر، وغيره من أجل أنْ لا تمتد أيدي النفوذ إلى ما هو محلّ القليل من الطموح، وتطلع الناس، وأمل الفقراء الذين يسعون لأنْ يجدوا لهم أمكنة ليسكنوا فيها بعد هذه المشكلة الكبيرة التي خلقت في الأراضي، وأسعار مواد البناء بحيث جعلت بناء البيت حلمًا، صعبَ المنال من غير طريق وزارة الإسكان.
* أما آنَ وقت الشفافيّة؟
الموضوع الآخر الذي أريد التحدث حوله هو الحاجة إلى الشفافية والوضوح في مختلف القرارات بشكل عام، والآن نتحدّث عن المدينة الشّمالية، وفي خصوص المدينة الشّمالية، وستكون هناك إساءة إلى ولي العهد، لأنّه كان معروفًا بأنّه المسؤول عن المدينة الشماليّة مع أنّ وزير الإسكان قد صرّح بأنّه هو المسؤول عن ذلك بانتقالها إلى وزارة الإسكان، وليس هناك مسؤولا آخر، فعدم الشفافيّة سوف تسيئ إلى المتصدِّي إذا كان ولي العهد، ولازال هو المتصدي للمشروع، وهذا أمل كان موجودًا عند النّاس، ونأمل أنْ لا يتراجع هذا الأم.
فنتمنى مزيدًا من المصداقيّة في الإدارة، والشفافية.
* وقفة مع كلمة للإمام علي (عليه السلام)
من كلمة لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): (أزرى بنفسه من استشعر الطمع)، لا يقرب من منطقة الازدراء الذي ينظر إليها النّاس بلا احترام بتوهين، وأقرب نفسه إلى مرحلة أنّه يبتلي بالرزق، وبالمصيبة وهي الأقرب بأنْ يبلي نفسه بالمصيبة، ويضع نفسه في محلّ المصيبة.
هذا الذي يستشعر الطمع يضع نفسه بنفسه في هذه الخانة، وهو يأتي على نفسه بهذا الموضوع، ولا أحد يظلمه لا بشر، ولا إله ولكنّه ينقل نفسه.
بعد ذلك يقول الأمير (عليه السلام): (ونعم القرين الرضا)، فهو قد نقل نفسه من حالة الرضا إلى حالة الطمع، قرّب نفسه، ووضعها في حالة المصيبة مَن استشعر الطمع، يعني من جعل الطمع قريبًا منه كالشعر من الجسد.
ومن كلمة (استشعر) – يبدو أنّ هذا التفسير من شرح الشيخ ميثم البحرانيّ- يقول: يعني جعل الشعر مثل مكانته من الجسد، قريب منه،، فأنت إذا جعلت الطمع قريبًا من عندك بهذه الحالة الملاصقة، فأنت أرزيت نفسك.
* الطمع آفة
فإنّ بعض الملاحظات، أو بعض التأمّلات مع هذه الكلمة (الطمع)، فليس مرحلة واحدة ينتهي منها الإنسان، ويرتاح إنّما هي حالة متجدّدة، بمعنى أنّه كان عمري خمس سنوات وطمعي في لعبة في يد أخي، فأنا عندي لعبة ولكن أيضًا أخي لديه لعبة، أو جيراني لديهم لعبة، فأنا طمعي منصبّ على لعبة جيراني، إنّني أمّل من اللعبة التي في يدي، فلو لم يكن لجيراني هذه اللّعبة، ولم أرها لم يكن عندي أيّ مشكلة.
فهذه اللعبة تمامًا تلبي طموحي، وقناعاتي وفي نفس هذه الحالة تنتقل مع الإنسان وعمره عشرين سنة، وتنتقل مع الإنسان وعمره ثلاثين سنة، فإذا ما تخلّص منها فإنّها تنتقل معه مع سِنيّ حياته، وتبقى مع هذا الإنسان في كل شيئ في البيت – مثلاً – ، فبيته ليس ضيقًا عليه، ولا على زوجته، ولا أولاده – والحمد لله -، ولا يوجد من هو متأذٍ من حدود ذلك البيت ولكن طمعه في بيت جاره، أو في ذلك البيت الذي رآه في بلده، أو في خارج بلده يتجدّد حول المباني، والمزارع، وغيرها من ملذّات الدنيا.
* الطمع المعنويّ
أيضا هناك طمع معنويّ، فإنّ يريد جاهًا أكثر، يريد مكانة أكثر، يريد وجاهة أكثر، وأحيانًا مداخل هذا الطمع ظلم، وأحيانا يتسلّل هذا المرض عبر التقوى، وأحيانًا عبر حاكم ظالم يريد أنْ يقف أمام الناس وهي راكعة له، وينزعج إذا كان هناك أحد من الناس لم يركع له، فيعمل على إركاعه، ويعتقد بأنّ هذه هي مكانته، وينزعج جدًّا إذا لم تُقل له كلمات التبجيل، وإذا قيل له بأنّك أخطأت. فإنّه لا يريد ذلك.
وأحيانا يتسلل ذلك أيضًا عبر مظاهر التقى، فينزعج الإنسان بأنّه لا يحترم، وبأنّ أحدًا يعترض عليه وهو عالم دين، أو هو قائد لجمعيّة لأي ملاحظة وموقف.
إنّنا نلاحظ في هذا الإنسان أنّه يتسربل بالرضا، ويشعر الرضا في بعض الحالات قرب الموت، فهنا وعندما نقترب من الموت يتسرّب إلينا حالة من الرّضا، فنرى أنفسنا لن نستفيد ممّا نطمع فيه، ولديّ وقت محدّد استشعره من خلال الضعف، استشعره بكلام الطبيب، فلا يعود للطمع من تأثير في نفسي.
* هل زاغت الأبصار؟
أو عندما أدرك العجز، فالإنسان يصاب بنوع من العجز ككبر في السنّن أو مرض يؤدِّي به إلى نوع من العجز, وكعجز – على سبيل المثال – في قواه الجسديّة والجنسيّة، فقبل أنْ يصاب بهذا العجز، فهو منَعم عليه بزوجة، أو بزوجتين لكن طمعه قد آذى نفسه، وأرهقها بصورة العارضة الفلانيّة، ويعيش هذا النوع من التعب، وتزوغ عيناه إلى ما حرّم الله من نساء المؤمنين، وغير المؤمنين، ويعيش حالة من التّعب، وكذا والمرأة تزيغ عيناها إلى الرّجل من أصحاب كمال الأجسام، أو غيرهم.
لماذا تتعب نفسك، ولماذا تنتظر العجز والمرض، ولماذا تنتظر الموت؟
* المحاسبة قبل فوات الوقت
هي حالة من التعب، فإذا التفت الإنسان إلى نفسه، ووقف بينه وبينها، وحاسبها قائلاً: أنا وضعت نفسي في نوع من الطمع اللاواقعيّ، اللادينيّ، اللاأخلاقيّ، وعمل على ترميم أو تصحيح مسار حياته نحو القناعة سيفلح لا محالة.
إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يريد أنْ يبعدنا بهذه الكلمة، لنرى كيف نجعل أنفسنا في أماكن، ونبلي أنفسنا بطموحات، وتطلّعات، ونبعد أنفسنا عن الرضا، ونبعد عن أنفسنا القناعة، ونجلب لأنفسنا الألم والحرقة، و90% وأكثر لا يتحقّق من ذلك شيئ، ويستمر الألم معنا سنة، وسنتين، وثلاث، وأربع، وعشر سنوات، وبعد ذلك تكتشف إمّا بتقدّم العمر.
فبالعقل، وبمزيد من التقوى، وبالبصيرة ستتجاوز كلّ ذلك.
ابحثوا في كلّ الزوايا ستجدون جزءًا من تعبنا، وعدم راحتنا.
إنّنا نتعب أنفسنا في هذا الطمع، ونحرم أنفسنا من التلذّذ بما في أيدينا من رجال ونساء، من مال، من مكانة، من درجة، من احترام بين الناس، والطمع بما ليس في أيدينا.
* التطلّع الواعي لا الطمع الواهي
ف لا يفهم من هذا الحديث أنّنا نقتل معنى التطلع، والسعي، والطموح في نفوسنا، لا, فهذا تعالجه معاني أخرى، ومفاهيم أخرى.
فهناك آيات، وروايات تحثّ على السعي، وعلى بذل ما في الوسع من أجل الكسب المشروع الحلال، ولكن لا تعلّق نفسك بالحرام، ولا تعلّق نفسك بالمراوغة، واعمل على التلذّذ بما عندك، فلديكِ زوج – مثلاً- فانظري إلى زوجك، ألديك زوجة، فانظر إلى زوجتك، أرح نفسك من الأخريات، ألديك دار، فانظر إلى دارك، وانظر إلى مَن لا يملك الدار.
لا أقول إذا كانت دارك تضيق بك أنْ لا تسعى لتوسيعها، بل اسعَ لتوسيعها بالكسب الحلال، ولكن لا تعلّق نفسك بما لا يمكن، لا تعلّق نفسك بما يجعلك كأسير إليه، ويذلّك، ويجعلك أسيرًا له.
ففي كثير من الأحيان لسنا بحاجة إلى هذا الشيئ، ولكنّنا نجعله محلَّ طموح، فمثلاً يريد بعضهم أن يكون لهم بيتًا في البحرين، وبيتًا في أوربا، وبيتًا هناك!!
لم ذاك؟؟
ويذهب إلى كلّ مكان، ويذلّ نفسه للحصول على ذلك الطموح.
وهذه أمثلة، وهي غير محصورة.
يسعى الإنسان إلى أنْ يكفّ يده عن السؤال، وإلى أنْ يغني عياله، وإلى أنْ يحصل على نعيم هذه الدنيا في حدود الله سبحانه وتعالى، فإنْ أُعطي شَكَرَ، وإنْ لم يعطَ حتى بالحلال شَكَرَ أيضًا، وصبر، ورضي.
فهذا ما يجلب على الإنسان وهو الراحة والشعور حيث قال (عليه السلام): (ونعم القرين الرضا(.
نسأل الله سبحانه وتعالى أنْ يزكيّ أنفسنا من الطمع، وأنْ يبعث فيها الرضا بما قسم الله سبحانه وتعالى لها من هذه الدنيا.
غفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اضف رد

إلى الأعلى